ربما نعرف تماما أن الفلتر لا يعكس شكلنا الحقيقي، إلا أن هذه المعرفة وحدها قد لا تكون كافية لحمايتنا من تأثيره النفسي. فمع الاستخدام المتكرر، قد تتحول النسخة المعدلة من الوجه إلى صورة مألوفة في أذهاننا، بينما يصبح الوجه الحقيقي أقل قبولا.
هذا ما حذرت منه الأخصائية النفسية إيلينا حداد، خلال استضافتها في بودكاست "Mental Talk" مع الإعلامية ريتا دبابنة عبر قناة ومنصة "المشهد"، موضحة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الفلاتر بحد ذاته، بل في اللحظة التي يبدأ فيها الشخص بفقدان ثقته بشكله من دونها.
وقالت حداد إن هناك فرقا بين "الوعي العقلي" والتأثير النفسي، موضحة أن الشخص قد يدرك تماما أن الفلتر يصغر الأنف أو يكبر العينين أو ينعم البشرة، لكن تعرضه اليومي لنسخة محسّنة من نفسه قد يدفعه تدريجيا إلى مقارنتها بوجهه الحقيقي.
وأضافت: "العقل بيعرف إنه مش أنا"، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الشخص أقل ثقة بنفسه من دون الفلتر، أو يرفض نشر أي صورة طبيعية له، أو يشعر بانزعاج شديد إذا التقط أحدهم له صورة لا تعجبه.
نقارن أنفسنا بأنفسنا
ولفتت حداد إلى أن مواقع التواصل أضافت بُعدا جديدا إلى ما يعرف نفسيا بـ"المقارنة الاجتماعية"، إذ لم يعد الإنسان يقارن مظهره بالآخرين فقط، بل أصبح يقارن نفسه بنسخة معدلة ومثالية من ذاته.
وأوضحت أن سهولة تعديل الصور وتغيير ملامح الوجه تجعل المستخدم يعتاد رؤية نفسه في صورة محسنة إلى أقصى درجة، الأمر الذي قد يؤثر تدريجيا في مستوى تقبله لمظهره الحقيقي.
وأكدت أن المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما يصل الشخص إلى مرحلة لا يستطيع فيها تحمل رؤية صورته بلا فلتر، أو يشعر بأنه "بشع"، أو يخشى أن يراه الآخرون من دون مكياج أو تعديلات رقمية.
الفلاتر غيّرت معايير الجمال
ورأت حداد أن الاستخدام الواسع للفلاتر ساهم أيضا في تغيير الطريقة التي ينظر بها الناس إلى معايير الجمال، إذ أصبح الوجه شديد النعومة والمظهر المتناسق والصورة الخالية من العيوب مشاهد مألوفة ومتكررة على منصات التواصل.
وقالت إن الدماغ يعتاد مع التكرار على هذا النوع من الصور، وبالتالي قد يبدأ باعتباره معيارًا طبيعيًا للجمال.
وفي المقابل، أشارت إلى أن عودة بعض الصيحات التي تحتفي بالمظهر الطبيعي والستايل غير المتكلف قد تعكس رغبة لدى الجمهور في رؤية قدر أكبر من "الأصالة" بعيدا عن الصور المثالية والمتشابهة.
متى يصبح الفلتر مشكلة نفسية؟
وبحسب حداد، فإن استخدام الفلتر يوميا لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكن علامات الخطر تبدأ عندما يرفض الشخص شكله الحقيقي، أو يشعر بأن الآخرين لن يتقبلوه من دون فلتر، أو يحاول تغيير ملامحه ليصبح أقرب إلى صورته المعدلة.
وأوضحت أن هذه الحالة لا تحمل تشخيصًا نفسيًا مستقلا بالضرورة، لكنها قد ترتبط بانخفاض الثقة بالنفس أو اضطراب صورة الذات أو الحاجة المفرطة إلى قبول الآخرين.
وشددت على أن الخطوة الأولى للخروج من هذه الدائرة هي الاعتراف بأن عدم الرضا عن بعض تفاصيل الشكل أمر طبيعي، ولا يعني بالضرورة أن الإنسان لا يحب نفسه.
كما نصحت بتقليل استخدام الفلاتر تدريجيا، ومحاولة التركيز على التفاصيل التي يحبها الشخص في مظهره الطبيعي، موضحة أن تكرار هذه الممارسة يمكن أن يساعد على تعزيز الثقة بالنفس وتقبّل الصورة الحقيقية.
وأكدت أن اللجوء إلى العلاج النفسي يصبح مهما عندما يعجز الشخص عن تغيير هذه الأفكار بمفرده أو عندما يبدأ الأمر بالتأثير في حياته وثقته بنفسه وعلاقاته بالآخرين.
واختصرت حداد الفكرة الأساسية بالقول إن المشكلة ليست في أن نحب صورتنا المعدلة، بل في أن نصل إلى مرحلة "لا نتحمل فيها صورتنا بلا فلاتر".



