كشف استشاري الطب النفسي الدكتور ميشال ضاهر، أن التغيرات التي تطرأ على الصحة الجنسية لدى المرضى النفسيين لا تعود بالضرورة إلى الأدوية، موضحا أن الاضطراب النفسي نفسه يكون في كثير من الحالات عاملا رئيسيا وراء انخفاض الرغبة أو الاستمتاع بالعلاقة الحميمة.
وقال ضاهر، خلال استضافته في بودكاست Mental Talk، مع الإعلامية ريتا دبابنة، على قناة ومنصة "المشهد" إن الأدوية النفسية قد تؤثر بالفعل على الصحة الجنسية، لكن هذا التأثير لا يحدث مع جميع الأدوية ولا لدى جميع المرضى، كما أن الدواء نفسه قد يسبب أعراضًا جنسية لدى شخص من دون أن تظهر لدى آخر.
تراجع الرغبة والطاقة والاهتمام
وأوضح أن الاكتئاب، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى تراجع الرغبة والطاقة والاهتمام والقدرة على الاستمتاع، فيما يرفع القلق مستويات التوتر ويجعل الشخص أقل قدرة على الاستمتاع باللحظة.
وأضاف أن اضطرابات أخرى، مثل الوسواس واضطراب ما بعد الصدمة، قد تجعل القرب الجسدي مصدرًا للتوتر أو الشعور بالخطر بدلًا من أن يكون تجربة ممتعة.
وشدد ضاهر على ضرورة عدم تحميل الدواء المسؤولية مباشرة قبل استبعاد عوامل أخرى، من بينها الأمراض الجسدية والتغيرات الهرمونية والأدوية الأخرى والحالة النفسية وطبيعة العلاقة مع الشريك.
كيف تؤثر الأدوية؟
وبحسب ضاهر، تعتمد الدورة الجنسية لدى الرجال والنساء على تفاعل عدد من النواقل العصبية في الدماغ، أبرزها السيروتونين والدوبامين والنورأدرينالين.
وأوضح أن بعض مضادات الاكتئاب ترفع مستويات السيروتونين، ما قد يؤثر سلبًا في نشاط الدوبامين، وبالتالي قد يؤدي إلى تراجع الرغبة أو الاستثارة أو صعوبة الوصول إلى النشوة الجنسية.
كما أن بعض مضادات الذهان قد ترفع مستوى هرمون البرولاكتين، وهو ما قد ينعكس بدوره على الرغبة الجنسية.
وأشار إلى أن أدوية أخرى قد تؤثر بشكل غير مباشر، مثل بعض المهدئات التي تسبب النعاس أو التعب، إضافة إلى أدوية قد تؤدي إلى الجفاف، ما قد ينعكس على الحياة الجنسية.
وأكد أن التأثير لا يختلف بصورة جوهرية بين الرجال والنساء، إذ تتكون الدورة الجنسية لدى الجنسين من الرغبة والاستثارة والنشوة، ويمكن أن يتأثر أي جزء منها.
هل تعود الرغبة بعد وقف العلاج؟
وحول أحد أكثر المخاوف شيوعًا لدى المرضى، أكد ضاهر أن الغالبية الكبرى تستعيد الرغبة الجنسية الطبيعية بعد تخفيف الدواء أو إيقافه تحت إشراف الطبيب.
وقال إن استعادة الرغبة قد تستغرق في بعض الحالات أسابيع أو أشهر، خصوصًا بعد استخدام العلاج لفترة طويلة، لكنها تعود في معظم الحالات إلى مستواها السابق.
وأضاف أنه في حال استمرار المشكلة، ينبغي البحث عن أسباب أخرى، مثل اضطرابات الغدة والهرمونات، أو تناول أدوية أخرى، أو وجود مشاكل جسدية، أو عوامل مرتبطة بالعلاقة مع الشريك.
وأوضح أن الحياة الجنسية بطبيعتها تمر بتقلبات مرتبطة بالعمر، والصحة الجسدية، والنوم، والإرهاق والضغوط اليومية.
التبلد العاطفي.. عرض ممكن وليس حتميًا
وتطرق ضاهر أيضًا إلى شعور بعض المرضى بما يعرف بـ"التبلد العاطفي"، موضحا أن بعض الأشخاص قد يشعرون بأن الدواء خفف الحزن والخوف والتوتر، لكنه خفف في الوقت نفسه قدرتهم على الشعور بالمشاعر الإيجابية.
وأكد أن هذا العرض ليس حتميًا، وقد يكون بسيطا ومؤقتا لدى البعض، فيما يصبح مزعجًا لدى آخرين.
وفي هذه الحالات، يمكن للطبيب تقييم شدة العرض وفعالية العلاج، ثم التفكير في تخفيض الجرعة أو تغيير الدواء إذا لزم الأمر.
ونفى ضاهر عددا من المعتقدات الشائعة بشأن الأدوية النفسية، مؤكدا أن القول إن جميعها تقلل الرغبة الجنسية "خرافة"، كما نفى أن يكون تأثيرها على الخصوبة والإنجاب دائمًا.
وأوضح أن بعض الأدوية قد تؤثر مؤقتًا في الهرمونات أو الخصوبة، لكن مع المتابعة والعلاج لا يعني ذلك وجود تأثير طويل الأمد على القدرة على الإنجاب.
وأشار كذلك إلى أن بعض المنشطات الجنسية قد تكون مفيدة في حالات محددة، خصوصًا لدى الرجال الذين يعانون من ضعف الانتصاب، بعد تقييم الطبيب للحالة.
ارتفاع الرغبة قد يكون إنذارا أيضا
وفي المقابل، حذر ضاهر من أن الزيادة الكبيرة وغير المعتادة في الرغبة الجنسية قد تكون أحيانًا أحد أعراض نوبات الهوس أو الهوس الخفيف.
وأوضح أن الطبيب يبحث في هذه الحالات عن علامات أخرى، مثل زيادة النشاط بصورة غير طبيعية، وقلة النوم، والاندفاع، والكلام المفرط، وزيادة الثقة بالنفس بشكل مبالغ فيه أو تغيرات حادة في المزاج.
وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من الضروري إعادة تقييم العلاج، بما في ذلك مضادات الاكتئاب، والتعامل مع نوبة الهوس بطريقة مختلفة.
وختم ضاهر بالتأكيد على أن أهم خطوة هي الحوار الصريح بين الطبيب والمريض، مشددًا على أنه لا ينبغي للمريض أن يخجل من الحديث عن الأعراض الجنسية أو أن يوقف علاجه من تلقاء نفسه.
وأكد أن هناك خيارات علاجية متعددة، وأن ظهور مشكلة في الرغبة أو الاستثارة خلال العلاج لا يعني بالضرورة الاختيار بين الصحة النفسية والحياة الجنسية.



