رغم إغلاق جميع نوافذ منزلها في بلدة ويستبري الإنجليزية، تقول المعلمة المتقاعدة إنها لا تزال تعاني من رائحة كريهة تُسبب الغثيان، تنبعث من محطة معالجة نفايات قريبة. تقول كورنر لـ"بي بي سي" : "لا نستطيع استخدام حديقتنا أو حتى المشي، نشعر وكأننا سنتقيأ".
في مرحلة ما، استنشقنا جميعًا رائحة النفايات المتحللة الكريهة أثناء إخراج القمامة، أو المرور بجانب مكب نفايات، أو حتى عند التعرض لرائحة كريهة من مصنع. تخيلوا فقط العيش باستمرار مع هذه الرائحة!
لا يقتصر الأمر على الشعور بعدم الراحة الذي يعانيه الناس جراء الروائح الكريهة، بل تربط الدراسات بين الروائح غير المرغوب فيها في المناطق الحضرية ومشاكل صحية تتراوح بين الصداع والغثيان وصعوبة التنفس واضطرابات النوم.
كما يمكن أن يكون لها آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد. ويساعدنا عدد متزايد من الأبحاث على فهم الدور المهم الذي تلعبه الروائح في صحة أجسامنا وعقولنا.
رائحة الخطر
تطورت حاسة الشم جزئيًا لتصبح إشارة إنذار مبكر تساعدنا على تجنب المرض أو العدوى. فمن المرجح أن يكون أي شيء ذو رائحة كريهة مليئًا بالبكتيريا التي تسعى لإلحاق الضرر بنا.
ولذلك، تُعد حاسة الشم جزءًا مما يُسمى بجهاز المناعة السلوكي لدينا، كما يقول يوهان لوندستروم، أستاذ علم الشم في معهد كارولينسكا في ستوكهولم، السويد. ويضيف لوندستروم: "يعمل الجهاز الشمي في المقام الأول كنظام تجنب لتعلم كيفية تحذيرنا من الخطر في البيئة
تأثيراتٌ صحية حقيقية
لا تقتصر حاسة الشم على كشف الخطر فحسب، بل يمكن أن يكون للروائح تأثيراتٌ حقيقيةٌ على صحة الإنسان وسلامته. لقد أظهر العلماء أن الروائح الطيبة، مثل رائحة الغابة، يمكن أن تكون مفيدة لصحتنا العقلية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تحفز مناطق الدماغ المرتبطة بالعاطفة والذاكرة.
هناك أيضًا أدلة تشير إلى أن العكس قد يكون صحيحًا، حيث تُلحق الروائح الكريهة ضررًا بصحتنا، على الرغم من أن العلماء ما زالوا يحاولون تحديد العلاقة الدقيقة بين تلوث الروائح وأي تأثيرات فسيولوجية مباشرة. وقد وجدت مراجعة للدراسات نُشرت عام 2021 بعض "التفسيرات البيولوجية المعقولة" وراء أعراض مثل الصداع أو القيء الناجمة عن الروائح الكريهة.
كما يعتمد مدى تأثير الروائح على صحتنا على مدى قلقنا منها. تقول باميلا دالتون، عالمة النفس المعرفي في مركز مونيل للحواس الكيميائية في فيلادلفيا بالولايات المتحدة، والتي أمضت 32 عامًا في دراسة التأثيرات الصحية للروائح: "يتوسط النفور أو الخوف من الرائحة التأثير الصحي". كلما زاد قلقك من رائحة كريهة، زاد تأثيرها على صحتك وراحتك.
تغييرات نمط الحياة
يمكن للرائحة الكريهة المستمرة أن تتغلغل في جوانب عديدة من الحياة. وقد تدفع الشخص إلى إجراء تغييرات في نمط حياته، والتي قد تضر بصحته. تُعرف هذه التغييرات بـ"السلوكيات غير المتكيفة".
على سبيل المثال، قد يشعر المرء بأنه مضطر لإبقاء النوافذ مغلقة في يوم حار أو تجنب الخروج لممارسة الرياضة أو قضاء الوقت مع الأصدقاء
مع ذلك، قد تكون أدنى رائحة كريهة غير محتملة بالنسبة للبعض، بينما قد تكون بالكاد ملحوظة للبعض الآخر.
على النقيض، من الطبيعي أن يعتاد الإنسان على الروائح المحايدة أو اللطيفة. يقول لوندستروم: "بمجرد أن تشم رائحة ما، وتتأكد من أنها غير ضارة، تتوقف عن القدرة على شمها". وهذا أيضاً هو السبب في أن الناس، على الرغم من قدرة أنف الإنسان على تمييز تريليون رائحة، يجدون صعوبة أكبر في تسمية الروائح غير الضارة.
تشير اختبارات الشم إلى أن أقل من نصفنا قد يكون قادراً على تسمية الروائح اليومية بشكل صحيح، مثل القهوة أو الفانيليا، على سبيل المثال.