حذّر استشاري الطب النفسي الدكتور ميشيل ضاهر من أن الخوف من الأعراض الجانبية للأدوية النفسية قد يدفع بعض المرضى إلى إيقاف العلاج، مؤكدا أن التعامل مع هذه الأعراض يجب أن يتم بالتعاون بين الطبيب والمريض، وليس عبر تحمّلها مهما كانت شدتها.
وأوضح ضاهر، خلال حديثه مع ريتا دبابنة في بودكاست "Mental Talk" على قناة ومنصة "المشهد"، أن الطب النفسي الحديث يقوم على تحقيق توازن بين مدى تحسن الحالة النفسية ومدى إزعاج الأعراض الجانبية، مشددا على أن الهدف ليس تحسين الحالة النفسية مقابل معاناة المريض من أعراض جانبية جديدة.
ما يحدث في أول أسبوعين؟
وأشار إلى أن الأعراض الجانبية قد تكون أكثر وضوحا خلال أول أسبوعين من بدء العلاج، لأن الجسم يتعرف إلى الدواء بسرعة، بينما تحتاج الأعراض الإيجابية إلى فترة أطول، تتراوح عادة بين أسبوعين و3 أسابيع، حتى يبدأ الدواء في تعديل أنماط التفكير في الدماغ، وتخفيف القلق، والمساعدة على رؤية الأمور بطريقة أكثر إيجابية.
وقال إن بعض الأعراض التي قد تظهر في البداية تشمل الصداع، والغثيان، والدوخة، وتسارع ضربات القلب، وزيادة القلق قليلاً، واضطرابات النوم، موضحاً أن هذه الأعراض غالباً ما تخف مع مرور الوقت.
وأكد ضاهر أن استمرار الأعراض الجانبية أو تحولها إلى أعراض شديدة ومزعجة لا يعني بالضرورة إيقاف العلاج، إذ توجد عدة خيارات يمكن مناقشتها مع الطبيب، منها الانتظار إذا كانت الأعراض خفيفة ومحتملة، أو تخفيف الجرعة، أو تغيير الدواء، أو إضافة دواء آخر للتعامل مع الأعراض الجانبية.
وفي ما يتعلق بزيادة الوزن، أوضح أن الأمر لا ينطبق على جميع الأدوية النفسية، مشيراً إلى أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الاكتئاب والقلق قد تزيد الشهية أو الوزن، بينما توجد أدوية أخرى لا تسبب زيادة في الوزن.
حلول زيادة الوزن
وتطرق الطبيب إلى حالة إحدى المتابعات التي قالت إنها بدأت علاجا للقلق، وتحسنت حالتها كثيرا بعد شهرين، لكنها زادت 15 كيلوغراما، ما جعلها تخشى الخروج من المنزل بسبب شكلها أكثر من خوفها من نوبات الهلع.
وعلّق ضاهر قائلاً إن زيادة 15 كيلوغراماً قد تؤثر بالتأكيد في نظرة الشخص إلى نفسه، ولذلك لا يكفي أن يقال للمريضة إن عليها تحمل الوزن الزائد طالما أن القلق تحسن. وأكد أن الحل لا يتمثل في إيقاف الدواء من تلقاء نفسها، وإنما في البحث مع الطبيب عن طريقة للتعامل مع زيادة الوزن، سواء عبر تغيير الدواء أو تخفيف الجرعة أو زيادة النشاط الرياضي أو الاستعانة بأخصائي تغذية.
أما بشأن حقن إنقاص الوزن، فقال ضاهر إنها يمكن أن تكون أحد الحلول، لكنها ليست الخيار الأول، بل قد يتم اللجوء إليها بعد تجربة طرق أخرى، خصوصاً عندما يكون الدواء النفسي ضرورياً ولا يمكن تغييره. وشدد على ضرورة استخدام هذه الحقن تحت إشراف طبيب مختص بالغدد، مع التعامل أيضاً مع أي أعراض جانبية قد تظهر.
وحول تأثير نمط الحياة، أكد ضاهر أن أسلوب الحياة يمثل جزءاً مهماً من العلاج النفسي، موضحاً أن ممارسة الرياضة يمكن أن تزيد النشاط وتحسن المزاج، وأن النوم الجيد يساعد على تحسين النشاط في اليوم التالي، بينما يمكن أن يساهم تقليل الكافيين في تخفيف القلق وتسارع ضربات القلب. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تغييرات نمط الحياة ليست كافية دائماً، وقد يحتاج الطبيب إلى إجراء تعديلات دوائية.
تأثير "النوسيبو"
كما تحدث ضاهر عن تأثير "النوسيبو"، موضحاً أن توقع الشخص ظهور أعراض جانبية قد يجعله يشعر بها بشكل أكبر، نتيجة زيادة التوتر والانتباه إلى إشارات الجسم. وشبّه ذلك بما يحدث لدى الأشخاص الذين يعانون نوبات الهلع، حيث قد تتحول أي إشارة جسدية بسيطة، مثل تسارع ضربات القلب، إلى مصدر خطر في ذهن الشخص.
وفي فقرة "خرافة أم حقيقة"، نفى ضاهر عدة اعتقادات شائعة، مؤكداً أن ليس كل دواء نفسي يسبب زيادة في الوزن، وليس كل دواء نفسي يؤثر في الرغبة الجنسية، كما أن ظهور عرض جانبي لا يعني بالضرورة ضرورة تغيير الدواء.
وأوضح أن بعض الأعراض يمكن التعامل معها عبر الانتظار حتى تخف، أو تخفيف الجرعة، أو حتى تغيير توقيت تناول الدواء، مشيراً إلى أن الدواء الذي يسبب النعاس مثلاً يمكن تناوله ليلاً في بعض الحالات.
رسالة من طبيب نفسي
كما نفى الاعتقاد بأن الجرعة الصغيرة من الدواء لا تسبب أعراضاً جانبية، مؤكداً أن الجرعات المنخفضة قد تسبب أعراضاً أيضاً، رغم أن تخفيف الجرعة قد يساعد أحياناً على تقليل شدتها.
ولفت إلى أن الأعراض الجانبية قد لا تكون ناجمة عن الدواء وحده، بل قد تنتج أحياناً عن تداخله مع أدوية أو مكملات أخرى، أو أعشاب، أو الكافيين، أو الكحول، إضافة إلى عوامل مثل عمر الشخص ووزنه.
ووجه ضاهر رسالة إلى الأشخاص الذين يخشون مراجعة الطبيب النفسي بسبب الخوف من الأعراض الجانبية، قائلاً إن هذا الخوف مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يصل إلى درجة تمنع الشخص من الحصول على العلاج، مشيراً إلى أن الأعراض الجانبية يمكن التعامل معها بالتعاون مع الطبيب.
وختم بالتأكيد على أن الآثار الجانبية قد تكون جزءاً من رحلة العلاج، لكنها لا ينبغي أن تكون السبب في خسارة فرصة التعافي.

