في وقت تهيمن فيه قطاعات النقل والطاقة والصناعة على نقاشات تغير المناخ، تظل مسألة الغذاء بعيدة عن دائرة الضوء، رغم تأثيرها الكبير على الكوكب. غير أنّ أبحاثًا جديدة تعيد هذا الملف إلى الواجهة، كاشفة أنّ تغيير النظام الغذائي يمكن أن يُحدث فرقًا بيئيًا هائلًا.
تشير الدراسة إلى أنّ أنظمة الغذاء مسؤولة عن نحو ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، وهي نسبة ضخمة غالبًا ما يتم تجاهلها في النقاشات المناخية. وعلى عكس مشاريع البنية التحتية المعقدة، فإنّ الخيارات الغذائية تُتخذ يوميًا، ما يجعلها من أسهل أدوات التغيير المتاحة للأفراد.
البحث، الذي أجراه علماء من جامعة تورونتو، استند إلى تجربتين سريريتين لاختبار تأثير تغيير النظام الغذائي على البصمة البيئية للأفراد.
الحمية النباتية
في إحدى التجربتين، اتبع مصابون بالسكري من النوع الأول، نظامًا نباتيًا منخفض الدهون، بينما التزم آخرون بنظام تقليدي مضبوط الحصص. وفي تجربة أخرى، قارن باحثون بين النظام النباتي والنظام المتوسطي لدى أشخاص يعانون من زيادة الوزن.
وكانت النتيجة أنّ الأشخاص الذين اعتمدوا نظامًا نباتيًا خفضوا انبعاثاتهم المرتبطة بالغذاء بأكثر من 50%، وهو انخفاض كبير ناتج عن تغيير واحد في نمط الحياة. كما تراجع استهلاك الطاقة المرتبط بإنتاج الغذاء بشكل حاد، بينما سجلت الأنظمة الأخرى تحسنًا محدودًا فقط.
ويُعزى هذا الفرق أساسًا إلى تقليل أو حذف المنتجات الحيوانية، حيث تبين أنّ اللحوم هي العامل الأكبر في رفع الانبعاثات، تليها منتجات الألبان، بينما كان تأثير البيض والدهون أقل نسبيًا. في المقابل، أدى الاعتماد على الفواكه والخضروات والبقوليات، ذات التكلفة البيئية المنخفضة، إلى خفض العبء البيئي بشكل واضح.
وتفند الدراسة اعتقادًا شائعًا بأنّ تقليل كمية الطعام هو الحل، إذ أظهرت النتائج أنّ نوعية الغذاء أهم من كميته. حتى مع ثبات السعرات الحرارية، ظل الانخفاض في الانبعاثات مرتبطًا بما يأكله الأفراد لا بكمية ما يستهلكونه.
ورغم أنّ النظام المتوسطي يُعد صحيًا ومتوازنًا، فإنه جاء في المرتبة الثانية بيئيًا، بسبب احتوائه على اللحوم والأسماك ومنتجات الألبان، ما أبقى تأثيره المناخي أعلى من النظام النباتي.
كما رصدت الدراسة فوائد صحية مرافقة، إذ فقد المشاركون في الأنظمة النباتية وزنًا أكبر، ما يعزز الترابط بين الصحة الفردية والاستدامة البيئية.