في حلقة جديدة من بودكاست "Mental Talk"، تفتح الإعلامية ريتا دبابنة، برفقة الأخصائية النفسية الدكتورة حنين جرّار، ملف التنمّر عند الأطفال، مسلّطة الضوء على أسبابه وأشكاله وآثاره النفسية التي قد تمتد لسنوات.
وتناول الحوار كيفية التمييز بين المزاح والتنمر، والعلامات التي تكشف تعرّض الطفل للأذى، وصولًا إلى دور الأهل والمدرسة في احتواء الظاهرة وحماية الأطفال من تداعياتها النفسية والاجتماعية.
هل التنمّر جزء طبيعي من الطفولة ويقوّي الشخصية؟
أوضحت الدكتورة أنّ هذا الاعتقاد صحيح جزئيًا فقط، إذ إن احتكاك الطفل بأطفال مختلفين عنه يساعده على تعلّم التعامل مع الآخرين، لكن ذلك لا يعني تركه يواجه الأذى وحده.
وأشارت إلى أنّ المرونة النفسية لدى الطفل تتكوّن عندما يواجه مشكلة ويتمكن من تجاوزها، مع وجود الدعم اللازم حوله. أما عندما يتعرض للأذى من دون أن يجد من يسانده، فقد تتحوّل التجربة إلى مصدر ضغط نفسي بدلًا من أن تساعده على اكتساب القوة.
كيف نميّز بين المزاح والخلافات الطبيعية والتنمر؟
وشرحت جرّار أنّ الفارق الأساسي هو وجود اختلال في ميزان القوة بين الطرفين.
- المزاح: يكون بين طرفين متكافئين، يستطيع كل منهما التعبير عن انزعاجه وطلب التوقف.
- الخلاف الطبيعي: يحدث بين طفلين متساويين نسبيًا، ويختلفان في الرأي أو وجهات النظر.
- التنمّر: يتضمن عدم تكافؤ في القوة، سواء بسبب العمر أو القوة الجسدية أو وجود مجموعة من الأطفال في مواجهة طفل واحد، بحيث يجد الطرف الأضعف صعوبة في الدفاع عن نفسه.
وبالتالي، ليس كل خلاف بين الأطفال تنمّرًا، لكن عندما يكون أحدهم عاجزًا عن حماية نفسه أمام الطرف الآخر، تصبح الحاجة إلى التدخل أكثر إلحاحًا.
ما أنواع التنمّر الأكثر إيذاءً للطفل؟
حدّدت الدكتورة 5 أشكال رئيسية للتنمّر:
- التنمّر اللفظي: استخدام الكلام الجارح أو الإهانات أو السخرية بهدف إيذاء الطفل نفسيًا والتقليل من شأنه.
- التنمّر العاطفي: التلاعب بمشاعر الطفل أو استغلال حاجته إلى القبول، مثل الضغط عليه بعبارات من نوع: "إذا كنت تحبني، فعليك أن تعطيني المال، أو أن تفعل ما أطلبه منك". وأوضحت أنّ تكرار هذا السلوك ضمن علاقة قائمة على الضغط قد يجعله شكلًا من أشكال التنمّر.
- التنمّر الجسدي: مثل الضرب والاعتداء الجسدي على طفل أضعف، بما يعرّض سلامته للخطر.
- التنمّر الاجتماعي: استبعاد الطفل عمدًا من المجموعة أو الأنشطة الاجتماعية، مثل دعوة جميع تلاميذ الصف إلى مناسبة وترك طفل واحد خارجها. ووصفت الدكتورة هذا النوع بأنه من أشكال الأذى النفسي الشديد.
- التنمّر الإلكتروني: يحدث عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وقد يتضمن الإساءة أو المضايقات أو استخدام صور غير حقيقية. واعتبرت الدكتورة هذا النوع من الأصعب في المتابعة والسيطرة، لأنه قد يلاحق الطفل حتى داخل منزله، ولا يعرف دائمًا هوية الشخص الذي يؤذيه.
وأكدت أنّ جميع هذه الأنواع قد تترك آثارًا مؤذية، وأنه لا يمكن الاستهانة بالأذى النفسي لمجرد أنه لا يترك علامات جسدية ظاهرة.
كيف نعرف أنّ طفلنا يتعرّض للتنمّر إذا لم يخبرنا؟
ولفتت الدكتورة إلى مجموعة من العلامات التي ينبغي للأهل الانتباه إليها:
- رفض الذهاب إلى المدرسة: كأن يكرّر الطفل قوله: ماما، ما بدي روح عالمدرسة.
- الشكاوى الجسدية المتكررة: مثل ألم البطن أو الرأس، خصوصًا عندما تظهر مع التوتر والقلق. وشرحت أنّ الضغط النفسي قد يظهر أحيانًا على شكل أعراض جسدية.
- ازدياد القلق والتوتر: أو ظهور تغيّرات نفسية لم تكن موجودة سابقًا.
- تراجع الثقة بالنفس: كأن يبدأ الطفل بوصف نفسه بأنه غبي أو غير محبوب، أو يعتقد أن لا أحد يرغب في اللعب معه.
- التصريح بما يتعرّض له: عندما يشعر الطفل بالأمان الكافي لإخبار أهله بما يحدث معه.
وشدّدت على أهمية التوعية، حتى يتمكن الطفل من التعرّف إلى التنمّر وفهم أن ما يتعرّض له ليس بالضرورة مزاحًا عاديًا.
لماذا يتنمّر بعض الأطفال على غيرهم؟
وبحسب الدكتورة، لا يوجد سبب واحد يفسّر هذا السلوك، بل قد تكون وراءه عوامل مختلفة، أبرزها:
- ضعف المهارات الاجتماعية: قد لا يعرف الطفل كيف يلعب مع الآخرين أو يبني صداقات، فيلجأ إلى مضايقة طفل آخر لجذب الانتباه والضحك، ويشعر بأنه أصبح محبوبًا أو مشهورًا بين زملائه.
- التعرّض للتنمّر داخل الأسرة: إذا اعتاد الطفل أن يسخر منه أخ أكبر أو أحد الوالدين، فقد يعتبر هذا الأسلوب طبيعيًا ويكرّره في المدرسة.
- المرور بظروف صعبة: قد يستخدم الطفل التنمّر لتفريغ غضبه أو التعبير بطريقة مؤذية عن مشاعر لا يستطيع التعامل معها.
وشدّدت جرّار على ضرورة عدم اختزال الطفل في وصف "متنمّر"، بل فهم الأسباب التي تدفعه إلى هذا السلوك والعمل على معالجتها.
وأشارت إلى أنّ الطفل قد يستمر في هذا النمط حتى مرحلة البلوغ إذا لم يحصل على التوعية والمساعدة، وقد يبرّر تصرفاته لاحقًا بالقول: "أنا هيك، بحب ضايق الناس".
كيف يتصرّف الأهل إذا اكتشفوا أنّ طفلهم هو المتنمّر؟
ونصحت الدكتورة الأهل بعدم التسرّع في الدفاع عن طفلهم أو إدانته، بل بجمع المعلومات وفهم ما حدث بدقة. واقترحت الخطوات التالية:
- الاستماع إلى المدرسة ومعرفة تفاصيل الحادثة: ماذا حدث؟ مع من؟ وكم مرة تكرّر؟.
- السؤال عمّا سبق الحادثة وما تلاها، وكيف تعاملت المدرسة مع الموقف.
- التحدّث مع الطفل بهدوء لفهم سلوكه ومشاعره والظروف التي يمرّ بها.
- تجنّب المبالغة في ردّ الفعل، لأن التعامل الخاطئ قد يزيد المشكلة سوءًا.
- الانتباه إلى أنّ إعطاء الطفل اهتمامًا كبيرًا في كل مرة يتنمّر فيها قد يعزّز السلوك، إذا كان هدفه الأساسي لفت الأنظار.
وأوضحت أنّ فهم الأسباب لا يعني تبرير التنمّر أو السماح باستمراره، بل يساعد الأهل على وضع حدود واضحة وتقديم الدعم المناسب لتغيير السلوك.
وأضافت أنه إذا لم يتجاوب الطفل مع محاولات الأهل، يمكن اللجوء إلى اختصاصي نفسي، قد يستخدم الألعاب والقصص والألوان والفيديوهات لبناء علاقة ثقة معه وفهم ما يصعب عليه التعبير عنه بالكلام.



