وسط الضجيج الذي أحدثته فضيحة الأستاذ الجامعي الذي يتاجر بشواهد الماستر في كلية ابن زهر بأكادير (جنوب المغرب)، بدا المشهد كما لو أنّه خرج مباشرةً من صفحات روايتي الأخيرة "في متاهات الأستاذ ف. ن." الصادرة حديثا عن المركز الثقافي العربي، حيث يجد القارئ نفسه أمام متاهةٌ معقّدة من المصالح المتشابكة، مع تحول أروقةٌ مؤسسة جامعية إلى سوق سرية (أو حتى علنية؟) تُباع فيها المعرفة وتُشترى كما لو كانت سلعة.
ها هو الواقع يُقلِّد الفنّ مرةً أخرى (بخلاف من يرى العكس)، مُذكِّراً بأنّ الأدب ليس ترفاً جمالياً، بل يمكن اعتباره جهاز إنذارٍ مبكرا، مهمته كشف الأعطاب قبل أن تتلمس مسارها نحو مساحات الأضواء الكاشفة.
تتابعت التقارير منذ منتصف هذا الشهر حول قضية (أو بالأحرى فضيحة) أستاذ جامعي بكلية الحقوق – جامعة ابن زهر بمدينة أكادير، حيث وجه إليه الاتهام بالتحكم بخيوط شبكةٍ لبيع مقاعد الماستر، بل وحتى شهادات الدكتوراه، في تخصصات قانونية معينة، لقاء مبالغ وصل بعضها إلى 250 ألف درهم (حوالي 25 ألف دولار) للشهادة الواحدة، وهكذا تم وضعه رهن الاعتقال الاحتياطي، وتم إيفاد لجنة تفتيش وزارية، كما أعلن الحزب الذي ينتمي إليه تجميد عضويته.
شيئا فشيئا، تحول الموضوع إلى قضية رأي عام، مع تسريب تفاصيل شديدة الخطورة لوسائل الإعلام، حيث جرى الحديث عن شبكة وسطاء، يستقطبون "زبائن" من محامين وموظفين، ووجود كتّاب "أشباح" مهمتهم إعداد البحوث، بالإضافة إلى ثروات مشبوهة وحسابات بنكية يصعب تبرير أرقامها الفلكية.
بصراحة شديدة، لم يفاجئني كل ما قرأته عن القضية، وقد سبق للرأي العام المغربي أن تناول بالتفاصيل قبل سنوات قضية أخرى في جامعة أخرى، كان عنوانها الابتزاز الجنسي، لكن ما أدهشني هو رؤية جزء مما كتبت عنه في عملي الروائي الأخير، يتجسد فعليا أمام عيني.
في روايتي، ينفتح النصّ على أستاذٍ غامض، حول أروقة جامعته إلى متاهة؛ ثم مات في ظروف ضبابية، بعد فضيحة تحرش دمرته تماما، فهل كان متحرشا فعلا، أم إن الحقيقة كانت أعقد من ذلك بكثير؟ فيما بدا استعارةً سوداء عن فسادٍ يتجاوز بكثير ما يركز عليه الإعلام بشأن حصر الجرائم في الابتزاز الجنسي (وهو الموجود فعلا).
التعميم خطر
الآن، ومع سقوط الأستاذ "الواقعي" في شرك جرائمه، غدت المتاهة المتخيلة في الرواية حقيقةً جاثمة: فالمخارج مغلقة على الطلبة الأكفاء، بينما يمتلك المزوِّرون خرائط سرّية وحتى مفاتيح ذهبية تفتح الأبواب.
قد يبدو من الغريب أن أحاول هنا تفكيك مضامين وبنية روايتي، لربطها بما جرى في الواقع، ما دامت هذه مهمة النقاد المتخصصين، لا المؤلفين، لكنني سأكتفي بالقول إن الدور الحقيقي للأدب كان وما زال هو استباق الواقع، ومنح القارئ أدواتٍ إدراكية تسبق الخبر العاجل بأشهر أو سنوات؛ خصوصا عندما يتعلق الأمر بكشف الفساد المستشري، ومدى تغوله، عندما يكون الثمن في حالتنا هذه مزاوجة مشبوهة بين السلطة والمعرفة.
مرة أخرى يطرح السؤال ذاته: هل نحن أمام "حالة معزولة" كما يستميت بعض الأساتذة الجامعيين في القول، وهم يرون كيف أصبحت سمعة الجامعة على المحك؟ أم إننا أمام أعطاب بنيوية في منظومة التعليم العالي؟
يتسابق الجميع في الحديث عن سقطة أخلاقية، فيما يرى هؤلاء الأساتذة أنّ التعميم خطر، وقد يذهب بعضهم أبعد من ذلك، متحدثين عن "مؤامرة" تستهدف الجامعة المغربية العمومية (بما يشجع بالتالي على ولوج الجامعات الخاصة)، لكنّ "الصدمة" تُحتّم إجراء مراجعة جذريّة فعلا لمساطر ولوج الماستر والدكتوراه، بما يعيد للشهادتين هيبة لطالما نشأنا على احترامها.
وهنا يتجلى دور الأدب: فإن كان القضاء سيحاكم الأفراد، فإنّ الرواية تُحاكم المنظومات، وتُذكّرنا بأن تفشي الفساد يسمح بتجاوز كل الخطوط الحمراء، ما يمنحنا بالتالي "حاسة شك" وقائية، ما دامت أفضل مكافحة لهذا الفساد تبدأ بخيال قادر على فضحه قبل أن يتجسّد.
وبين "متاهات الأستاذ ف. ن." ودهاليز الواقع، تقف الجامعة المغربية أمام مفترق طرق: إما أن تُرمّم ثقةً خدشتها طامة المتاجرة بكل شيء، أو يفقد الداخل إليها خيط أريان الذي قد يسمح له بالخروج، ليجد بالتالي وحش المينوتور بانتظاره..