hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

الاحتجاجات تجتاح أوروبا.. هل نحن أمام أزمة حكم أم أزمة نظام؟

آخر تحديث:
احتجاجات فرنسا كشفت أزمة أعمق من غلاء المعيشة (رويترز)
احتجاجات فرنسا كشفت أزمة أعمق من غلاء المعيشة (رويترز)
verticalLine
fontSize

لم يعد المشهد في باريس أو ميلانو أو بروكسل أو مدريد أو حتى ألبانيا سياحة وتسوق ونقاهة، إنما تحوّل إلى احتجاجات ضخمة هزت أركان النظام الأوروبي بسبب حدّة الشغب وأعمال العنف والسرقة والنقمة والخراب الحاصل هناك.

من غلاء المعيشة إلى انفجار الشارع

فالاحتجاجات لم تعد مجرد تحركات مطلبية مرتبطة بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والسكن وتراجع القدرة الشرائية وتحسين الخدمات، وإنما أصبحت انعكاسُا لواقع أصعب وأزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، إضافة إلى فشل النظام العالمي في إيجاد حلول للعديد من التحديات التي نواجهها.

وتعكس الاحتجاجات ومن دون أدنى شك مستقبل النموذج الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي وربما العالمي من جهة، وقدرة الأنظمة السياسية وخصوصا الديمقراطية على الاستجابة للتحولات الدولية والداخلية من جهة أخرى.

ومع اختلاف أسباب التظاهرات وتعددها، يبقى القاسم المشترك بينها هو اتساع الفجوة بين ما يطمح إليه الناس في أوروبا وبين السياسات المتبعة من الحكومات. فتداعيات هذه الاحتجاجات لن تبقى داخل حدود الاتحاد الأوروبي، إذ إن أيّ تحول في الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ستكون له تداعيات على العالم أجمع من خلال تغيير جذري في سياسات الهجرة، والعلاقات التجارية، والمساعدات الخارجية، والمواقف الدولية.

مما لا شك فيه أن أوروبا تواجه العديد من التحديات البنيوية القديمة ومنها الجديدة، فتداعيات كورونا ما زالت قائمة اقتصاديًا واجتماعيًا على الرغم من اختفاء الجائحة. أما تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والحروب المستمرة في الشرق الأوسط وإقفال مضيق هرمز، فقد أدت إلى موجات من التضخم وارتفاع الأسعار وتكاليف الغذاء والطاقة والسكن، مما زاد من حدّة الضغوط وخصوصًا على الطبقة المتوسطة والمحدودة.

ففي مدن أوروبية عدة وخصوصًا الإسبانية أصبحت أزمة السكن انعكاسًا للواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أهالي البلد.

فأهالي هذه المدن اليوم وخصوصًا الطبقة المتوسطة وجيل "genz" لا يمكنهم حتى استئجار شقة صغيرة في برشلونة أو مدريد أو باريس. مما دفع العديد من هذه العائلات للتوجه إلى العيش خارج المدن بحيث فرص العمل أقل والتفاوت في فرص العمل والدخل بين المناطق والفئات والطبقات، كل ذلك أمام عجز كلي للدولة في معالجة هذه الأزمات. فالمواطن الأوروبي لا ينظر فقط إلى المؤشرات الاقتصادية وقدرته الشرائية، بل يقيس أيضا أداء حكومته فيما يخص الخدمات والأخطار وكيفية معالجتها.

فاحتجاجات المزارعين في العديد من المدن الأوروبية خير مثال، وخصوصًا أنها تعكس توترًا بين التحول البيئي ومتطلباته وبين المصالح الاقتصادية لواحد من أهم القطاعات الأوروبية. فالمتطلبات الجديدة تعكس فشل الاتحاد الأوروبي والحكومات في إدارة الأزمة، وخصوصا مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة الخارجية والقيود الخانقة البيئية والتنظيمية، مما أدّى إلى تقليص قدراتهم على المنافسة والاستمرار. فالسؤال الجوهري المطروح اليوم في أوروبا: "ما هي الأولويات لتحقيق الأهداف المناخية وحماية البيئة من جهة، وضمان الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج المحلي من جهة أخرى؟".

أزمة الثقة تصعد بالشعبوية

من جهة أكثر عمقًا، لا يمكن تفسير الاحتجاجات العنيفة من زاوية الاقتصاد وحده. أحد أهم أسباب هذا التغيير في نمط الاحتجاجات والمطالب، هو أزمة الثقة المعدومة بين الجيل الجديد والطبقة الوسطى التي تتعرض للضغوط، وبين المؤسسات السياسية التقليدية، وخصوصًا قدرة الأحزاب الحاكمة على تمثيل وضمان مصالح المواطنين. فالضغوط التي تواجه أوروبا من مختلف الجهات والقطاعات وعجز حكومات هذه القارة عن المعالجة الجذرية لهذه الأزمات، جعلت الرأي العام يشعر بسبب هذا الفشل وخصوصًا في سياسات التقشف، وحزام الحروب حول أوروبا، والعلاقة مع أميركا، والتحول الأخضر، وإدارة الهجرة، وحقوق الإنسان والعديد غيرها من التحديات التي تتخذ بعيدًا عن المشاركة الشعبية.

هذا الشعور بالإحباط حول المؤسسات السياسية والاقتصادية والأحزاب أدّى إلى تعزيز الخطاب الشعبوي المتطرف والذي يقدم نفسه كبديل حقيقي عن الطبقة السياسية. فيعتبر هذا اليمين أنه قادر على فهم متطلبات ومخاوف الشعوب في أوروبا من الهجرة، والإسلام المتطرف، والهوية الوطنية والأمن، مما سمح لهذه الأحزاب وخصوصًا بعد الأحداث الأخيرة في باريس وبرشلونة ومدريد وميلانو بتوسيع قاعدتها الشعبية والانتخابية، فجميع استطلاعات الرأي في فرنسا وإسبانيا ترجح فوزًا ساحقًا لليمين في الانتخابات القادمة.

من جهة أخرى، ولنكن واقعيّين، علينا عدم اختزال جميع المحتجين في تيار سياسي واحد ألا وهو اليمين.. فالاحتجاجات تجمع بين الجيل الجديد الرافض للقواعد السياسية القديمة والأحزاب التقليدية، والنقابات العمالية، والمزارعين، والبيئيين، والانفصاليين، والمهاجرين والمحافظين والعديد من الفئات الأخرى، والتي تختلف مطالبها ورؤيتها لمستقبل أوروبا في ظل التحديات العميقة. ولكن مما لا شك فيه أن الجامع الوحيد بينهم هو الاعتراض على سياسات الحكومات والنظام الاقتصادي غير العادل.

فمهما زادت حدّة الاحتجاجات في أوروبا إلا أنّ دول هذه القارة ومؤسساتها السياسية قادرة على امتصاص الغليان وهذه التحديات. ولكن في الوقت نفسه، تضع هذه الاحتجاجات أوروبا وحكوماتها أمام اختبار صعب وهو الحفاظ على الاستقرار الداخلي من جهة، والاستمرار في سياسات اقتصادية ومناخية وأمنية طويلة الأمد تضغط بشكل مباشر على المواطن الأوروبي من جهة أخرى. لذلك قد تضطر الحكومات إلى تعديل موازناتها أو تأجيل بعض الإصلاحات وتقديم تنازلات ضرورية لاحتواء الشارع، ولكنها ستزيد من الضغوط المالية وتساهم في ارتفاع الديون وتباطؤ النمو.

أما في السياسة، فيمكن لهذه الاحتجاجات أن تعيد تشكيل المشهد الحزبي والسياسي في أوروبا من خلال إضعاف الأحزاب التقليدية. ففي أوروبا السياسة مختلفة عن بقية العالم، والاحتجاجات لا تعني إضعافًا للديمقراطية، بل حافزا يدفع الحكومات إلى بناء عقد اجتماعي جديد يكون أكثر استجابة للتحديات التي تواجه هذه الحكومات، وخصوصا عند الفصل بين الاحتجاج السلمي، وأعمال التخريب، والسرقة، والعنف.

أما على صعيد القارة، فتعكس هذه التحديات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الخلافات بين الدول الأعضاء، فكلما واجهت دول الاتحاد الأوروبي الأزمات وزاد تركيزها على احتواء أزماتها الداخلية كلما تراجعت قدرة الاتحاد على التوافق وخصوصًا فيما يخص القضايا الإستراتيجية.

فاستطلاعات الرأي الأوروبية الصادرة عن يورو باروميتر في ربيع 2026 قد أظهرت حجم التحديات وخصوصا غلاء المعيشة الذي يعتبر مصدر القلق الأعلى لدى الأوروبيين بـ52% من المستطلعين. إضافة إلى ذلك، اعتبر 25% أن الصراع في الشرق الأوسط يشكل القضية الأكثر إثارة للقلق على صعيد التحديات التي تعكس دور الجيوسياسية وترابط الضغوط الداخلية والخارجية على دول الاتحاد.

وبما أن الشرق الأوسط جزء أساسي من القلق الأوروبي فأهمية هذه الاحتجاجات تنعكس بصورة مباشرة على دول الشرق الأوسط، وخصوصًا أن أوروبا شريك اقتصادي وسياسي رئيسي لدول الشرق الأوسط، ومصدر مهم للاستثمارات والمساعدات الإنسانية والتنموية. لذلك ستعمد العديد من الدول الأوروبية إلى تشديد سياسات الهجرة واللجوء وتسريع إجراءات الترحيل والرقابة المشددة على الحدود على غرار الولايات المتحدة الأميركية. لذلك، ستنعكس هذه السياسات على توطيد العلاقة مع بعض دول حوض البحر المتوسط لضبط تدفقات المهاجرين مما يضع هذه الدول تحت ضغوط وشروط سياسية ومالية واقتصادية أكثر صرامة.

ارتدادات تتجاوز حدود القارة

قد تغيّر الاحتجاجات في أوروبا أولويات المساعدات الخارجية بحيث تصبح معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية أولوية قصوى للدول والحكومات، وحتى للناخب الأوروبي مما يعرض برامج المساعدات الخارجية لضغوط مالية وسياسية كبيرة. ومما يزيد من حدّة التحوّل الإستراتيجي في برامج المساعدات هو تحول التمويل نحو إدارة الهجرة، وضبط الحدود والطاقة والأمن على حساب دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في بعض دول الشرق الأوسط.

أما اليوم، فلا يمكننا النظر إلى أوروبا على أساس أنها جزيرة معزولة دوليًا. فالعلاقة بين الاحتجاجات الأوروبية وما يحصل في الشرق الأوسط مترابطة بشكل كبير، فالحروب وأزمات الطاقة واللجوء والهجرة والتنافس وسلسلة التوريد وغيرها تؤثر بشكل مباشر في الرأي العام الأوروبي، وتغذي النقاشات السياسية الداخلية. لذلك من أجل فهم أعمق لطبيعة هذه الاحتجاجات علينا النظر في شبكة الترابط بين الجيوسياسية الأوروبية والشرق أوسطية، وانعكاساتها على الأمن والسياسة والاقتصاد.

في النهاية، أوروبا وربما العالم على عتبة تغيير سياسي اجتماعي واقتصادي كبير، قد يطيح بقواعد اللعبة التقليدية نتيجة فقدان الثقة في الطبقة الحاكمة وربما طريقة إدارة هذه الدول. ومما سيزيد من صعوبة إيجاد الحلول هو الملل العالمي وخصوصا بين الجيل الجديد من النظام العالمي وكيفية إدارة البلاد وتوزيع الثروات، ولكن لسوء الحظ البديل الفلسفي أو حتى المنطقي لكيفية البناء الحديث لهذه الدول يبدو غائبًا كلياً. فبين الملل والغياب، يبقى ترقب التغيير المرتقب بهدوء وواقعية.

news_suggested_videos_نشرة اليوم 24-10-2026
play