بناء إسرائيل لخط "سوفا 53" أو ما يُعرف بـ"العاصفة الكبرى" يؤكد أن إسرائيل قررت عدم العودة لاتفاقية فصل القوات الموقعة في 31 مايو 1974، كما أنها لن تنسحب من جبل الشيخ والمنطقة العازلة والأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، وأنها ألغت عملياً خط "ألفا" من جهة القوات الإسرائيلية وخط "برافو" من جهة القوات السورية؛ لنصبح أمام واقع جديد ترسمه إسرائيل هذه المرة، وليس الاتفاقية الدولية التي نصت على انتشار قوات من الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف" والتزام وقف إطلاق النار.
يعمل مشروع "سوفا 53" على شق طريق بطول 90 كيلومتراً وبعرض نحو 8 أمتار، تحيط به سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى 5 أمتار، إضافة إلى نقاط مراقبة وخنادق؛ ليتقاطع مع مشروع تحصينات إسرائيلي أوسع يُعرف باسم "الشرق الجديد" كانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية قد تحدثت عنه في أغسطس الماضي، لكنهما في الواقع ليسا إلا مشروعاً واحداً انطلق منتصف عام 2022، وكثفت إسرائيل العمل به بوتيرة متسارعة عقب سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، وما زال مستمراً حتى الآن وإن كان بوتيرة متقطعة.
"سوفا 53" مقدمة لوصل الجولان المحتل بالسويداء.
يرى بعض صناع القرار والمتابعين للشأن السوري أن خطورة هذا المشروع تكمن في ثلاثة أمور:
- الأول: أن إسرائيل أصبحت هي من ترسم خطوط الهدنة، وتريد من الآخرين عدم الاعتراض عليها، بل القبول والتسليم بالأمر الواقع؛ للحصول على مكاسب جديدة تشكل ورقة ضغط في المفاوضات القادمة، ما يجبر السلطات السورية على القبول بما تفرضه تل أبيب.
- الثاني: يُخشى أن يكون هذا الخط مقدمة لوصل الجولان المحتل بالسويداء عبر احتلال مناطق من جنوب محافظة درعا، وصولاً إلى المثلث الحدودي مع الأردن، وهنا تكمن خطورة حديث نتانياهو عن مناصرة السويداء والتدخل في الشؤون السورية.
- الثالث: هذا المشروع طريق عسكري مجهز بالسلاح والحماية الإلكترونية، وبالتالي قد تستهدف إسرائيل المواطنين السوريين لمجرد الاشتباه بهم، ما يؤثر على العاملين في الزراعة والمراعي في ريفي القنيطرة الشمالي والأوسط، وحوض اليرموك في درعا، وسط مخاوف لدى السكان من انعكاس الأعمال الجارية على نشاطهم الزراعي والمخزون المائي في المنطقة.
والسؤال الآن: كيف تقوم إسرائيل بتجاوز اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وتسيطر خلال سنتين على أكثر من 600 كيلومتر مربع، وتنفذ أكثر من ألف غارة و750 توغلاً برياً وتقتل أكثر من 70 مواطناً سورياً، وفي الوقت نفسه تجري مفاوضات مع سوريا؟! حتى إن الرئيس أحمد الشرع قال خلال جلسة حوارية نظّمها المجلس الأطلسي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة 23 سبتمبر الماضي إن الطرفين توصلا إلى نحو 90% من إطار الاتفاق قبل تراجع إسرائيل، في حين عقد وزير الخارجية أسعد الشيباني اجتماعاً بوساطة أميركية في الأردن مع وفد إسرائيلي برئاسة رئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي، يهدف إلى وقف الغارات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية، وإحياء مفاوضات الاتفاق الأمني، إضافة إلى إنشاء آليات تمنع تحول التوتر الإسرائيلي–التركي إلى مواجهة على الأراضي السورية.
الخوف من 7 أكتوبر سوري
من المفارقات أيضاً أن إسرائيل تربط سياستها في الجنوب السوري بمدى تقدم العلاقات السورية التركية والتحولات الأمنية التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر 2023 في غزة، في حجة واضحة لنزع السلاح في أجزاء من جنوب سوريا وإقامة ترتيبات أمنية تمنع اقتراب القوات السورية من الجولان المحتل، حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وقف في 9 سبتمبر الماضي على قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس ومسؤولين عسكريين كبار، مؤكداً أن إسرائيل سيطرت على المنطقة الممتدة من قمة جبل الشيخ شمالاً إلى نهر اليرموك جنوباً، فيما وصف كاتس المنطقة بأنها "منطقة أمنية" وأشار إلى بقاء القوات الإسرائيلية فيها.
ختاماً يمكن القول: إن ما تقوم به إسرائيل في المنطقة العازلة خصوصاً، والجنوب السوري عموماً، يتناقض مع القرار 497 لعام 1981 واتفاقية فصل القوات لعام 1974، وهذا بدوره يؤكد أن إسرائيل -كعادتها- لن تلتزم بأي اتفاق ما لم تكن هناك قوى دولية فاعلة تضغط عليها، وهذا ما لم نشهده من الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب حتى الآن، الذي يتفاخر بإعطاء الجولان لإسرائيل، ما شجع تل أبيب على التمادي في التوغل والغارات والاعتداءات، وهو ما ينذر بتهور إسرائيلي غير محسوب تجاه دمشق مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وسعي كل جانب لكسب المعركة.



