hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

بعد مجزرة الكنيسة في الكرك.. لا "تعايش" في الأردن!

آخر تحديث:
دعوات لتعزيز المواطنة ومواجهة الكراهية في الأردن (رويترز)
دعوات لتعزيز المواطنة ومواجهة الكراهية في الأردن (رويترز)
verticalLine
fontSize

دعوني أقول ما قد يبدو صادماً: لا يوجد "تعايش" في الأردن!.

نعم، فلنضع المصطلحات في سياقها الصحيح.. فنحن لا نتعايش.

أمس، خرج إرهابيون جبناء من جحور كراهيتهم، وأطلقوا النار على أردنيين اجتمعوا لتوديع السيدة مثال هلسة، "أم ليث"، في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود في الكرك. انتهكوا حرمة الموت والمكان والإنسان، وحوّلوا عزاء عائلة إلى مأساة وطن.

ورغم استهداف جنازة مسيحية، أصاب الرصاص مسلمين ومسيحيين، كانوا يؤدون واجب العزاء، لا ليمارسوا "التسامح الديني"، بل لأنهم ببساطة أهل وجيران وأصدقاء.

ومن بين الضحايا طبيب الأسنان المسيحي الدكتور محمد القسوس، الذي يحمل اسم "محمد"، والملقّب بـ"طبيب الفقراء"، لعلاجه المحتاجين مجاناً. حتى اسمه وسيرته يختصران ما أحاول قوله: لسنا غرباء يحتاجون إلى التعايش.

التعايش في الأردن

ومنذ وقوع الجريمة، تتكرر في بيانات الإدانة كلمة لطالما استفزتني: "التعايش".

كم أمقت هذه الكلمة حين تصف علاقتنا نحن الأردنيين! كأننا جماعات غريبة جمعتها الجغرافيا وأجبرتها الظروف على احتمال بعضها، وكأن المسلم يبذل جهداً لقبول المسيحي، والمسيحي يتنازل ليقبل المسلم.

أمضيت طفولتي وسنوات دراستي في مدارس مسيحية، وكبرت بين مسلمين ومسيحيين وبهائيين ودروز، ومن أصول مختلفة. لم أسأل عن ديانة زميلي قبل أن أصادقه، ولم أحتج إلى درس في التسامح كي أشاركه يومي. كنا نلعب ونتشاجر ونتصالح ونكبر معاً. لم تكن هوياتنا غائبة، لكنها لم تكن حواجز بيننا.

ثم خرجت إلى المجتمع، فبدأت أسمع عن "قبول الآخر" وكأنه إنجاز استثنائي، وعن اختلاف الدين والأصل وكأنه معضلة تستدعي حلاً.

وأعرف مسلمين أمهاتهم أو عمّاتهم مسيحيات، ومسيحيين تربطهم صلات قرابة بمسلمين. يتشاركون الأعياد والأفراح والأحزان، ويختلفون في المعتقد من دون أن تنقطع أرحامهم.

الحضور المسيحي في الأردن وفلسطين يسبق ظهور الإسلام بقرون، وتشهد عليه كنائس الكرك ومادبا وأم الرصاص وبيت لحم. المسيحيون ليسوا جماعة وافدة استضافها المسلمون، ولا أقلية مُنحت حق البقاء بفضل تسامح الأكثرية. إنهم جزء أصيل من تاريخ هذه البلاد وهويتها، والمواطنة حق لا منّة فيه لأحد على أحد.

ولنتذكر أن الإرهاب لم يستهدف المسيحيين وحدهم.

تفجيرات فنادق عمّان

في تفجيرات فنادق عمّان عام 2005، قُتل نحو 60 إنساناً، بينهم أناس يحتفلون بزفاف، والمخرج السوري مصطفى العقاد وابنته ريما. يا للمفارقة! الرجل الذي أخرج فيلم "الرسالة" لتعريف العالم بتاريخ الإسلام، قتله إرهاب يزعم الدفاع عن الإسلام!

ومن ينسى البطل معاذ الكساسبة؟

ابن الكرك المسلم الذي أحرقه مجرمو داعش حياً عام 2015 داخل قفص حديدي. حتى إيمانه، والمصحف الصغير الذي اعتاد حمله في بزّته العسكرية، لم يشفعا له عند قتلة يزعمون تطبيق شريعة الإسلام!

وحين استُشهد معاذ، قُرعت أجراس الكنائس الأردنية حداداً عليه، وأُقيمت الصلوات لروحه. كان الشهيد مسلماً، وكانت الكنائس تبكيه.. فهل كان ذلك "تعايشاً"، أم وجع شعب واحد؟

وفي عام 2016، ضرب الإرهاب الكرك مجدداً، وقتل 10 أشخاص من رجال الأمن والمدنيين، بينهم سائحة كندية.

كل هذا لا يلغي خصوصية استهداف المسيحيين في حمود، بل يؤكد أن الكراهية التي تستهدف فئة تهدد المجتمع بأسره.

والوحدة الوطنية لا تصونها الشعارات، بل المواطنة المتساوية والعدالة ومواجهة الكراهية قبل أن تتحول إلى رصاص.

كتبت هذه السطور، لا لأدعوكم إلى قبول "الآخر"، بل لأذكّركم بأن من تسمّونه "الآخر" قد يكون صديق طفولتكم، أو جاركم، أو ابن عمكم، أو حتى أمّكم.

كتبت لأذكّركم بأننا لسنا غرباء اجتمعوا على أرض واحدة وتعلّموا كيف يتعايشون، بل أهل أرض واحدة عرفوا كيف يعيشون.

نحن نعيش.. لا نتعايش.. وهذا الوطن لنا جميعاً! 

news_suggested_videos_ماذا لو حكم اليمن امرأة.. إلهام مانع: الحوثية حركة إقصائية
play