hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

جيوسياسة خطوط الطاقة والنقل في حرب الشرق الأوسط الحالية

 إنشاء ممرات جديدة للطاقة من الخليج للعالم لتجنب العبور غير الآمن لمضيق هرمز والبلطجة الإيرانية (أ ف ب)
إنشاء ممرات جديدة للطاقة من الخليج للعالم لتجنب العبور غير الآمن لمضيق هرمز والبلطجة الإيرانية (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
لطالما كان الشرق الأوسط مسرحا للتدخل الدولي والإقليمي، والمدخل الأساس الرابط بين جميع بقاع الارض. إذا نظرنا إلى خريطة العالم، نرى أنّ الشرق الأوسط هو في وسط الكرة الأرضية، ويحدّ ثلاث قارات كبار، ويسيطر على مضائق مهمة، ويُعتبر ركنا أساسيا في استخراج الطاقة، وجزءا أساسيا في ربط التجارة العالمية.

فحروب الشرق الأوسط الحالية والمستقبلية، لم تعد تُخاض من أجل السيطرة على الدول والنفط والموارد، وإسقاط الأنظمة وحقوق الإنسان، والصواريخ الباليستية وحتى احتواء الطموح النووي لبعض الدول (على الرغم من خطوراته)، وإنما في واقعنا الحديث، أصبحت الحروب تتمحور، وبشكل متزايد وقوي، حول من يسيطر على الممرات الاقتصادية الحيوية وخطوط النقل والإمداد، وخطوط الطاقة، والموانئ، والمضائق.

تداخل الصراعات

القارئ في الجغرافيا السياسية، يعلم أنّ المنطقة دخلت في أتون جديد مختلف كليا عن الماضي، بحيث تتداخل الصراعات الحديثة مع مشاريع النفط والغاز، والنقل مع الأمن القومي للدول وإستراتيجيات مصالح الدول، بحيث أصبحت الخرائط الاقتصادية تحدد إلى حدٍ ما مسارات الصراعات والتحالفات والمصالح.

على ما أصبح واضحا يمر في هذا الشرق الأوسط خطان حيويان مرتبطان بمشاريع الأمن القومي والإستراتيجي ومصالح الدول العظمى. فطريق الحرير الصيني من جهة، والممر الهندي الأوروبي من جهة أخرى، يُعتبران خطان مضادان لمشروعين دوليين كبيرين في العالم، أحد ساحاته هو الشرق الأوسط.

ومع اكتشاف حقول النفط والغاز الهائلة في شرق البحر المتوسط خلال السنوات السابقة، أصبحت المنطقة من أهم المناطق لتزويد الأسواق الأوروبية وحتى العالمية في الطاقة. وما زاد من أهمية هذه المنطقة خصوصا والخليج بصورة أكبر، هو الحرب الأوكرانية الروسية، باعتبارها أحد أهم البدائل لتعويض النقص في الأسواق العالمية. وهنا تحولت دول مثل سوريا ولبنان وإسرائيل وتركيا واليونان ومصر وقبرص، إلى دول محورية في معادلة الطاقة العالمية. وما زاد من حدة التعقيدات وخصوصا في مجال نقل الطاقة في بعض من هذه الدول، وخصوصا سوريا ولبنان وتركيا وربما إسرائيل، هو التفكير في إنشاء ممرات جديدة للطاقة من الخليج إلى هذه الدول، لتجنب العبور غير الآمن لمضيق هرمز والبلطجة الإيرانية.

ومع تغيير المعادلات اصبحت خطوط نقل النفط اليوم، تمثل أدوات نفوذ قد تكون بأهمية الجيوش والعسكر والتكنولوجيا. ومن أهم المشاريع الموجودة وأكثرها حساسية على الصعيد الجيوسياسي، هو مشروع خط "إيست مد" الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا، والذي يعكس رغبة أوروبية في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. ومن الجهة الأخرى تبرز تركيا كدولة محورية تسعى لفرض نفسها كممر إلزامي للطاقة بين آسيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها على التحكم بخطوط الأنابيب العابرة لأراضيها، والتي تربط آسيا بأوروبا.

معركة موازية

وما يزيد من حدة التعقيدات في المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، هو المعركة الموازية لمعركة استخراج ونقل النفط والغاز، ألا وهي المعركة الدائرة حول الطرق التجارية العالمية. فقد كشفت الحرب الدائرة منذ 2023، هشاشة طرق التجارة العالمية وخصوصا المرتبطة بمناطق النزاعات، فإغلاق "الحوثيين" في اليمن لمضيق باب المندب، أدى إلى تحويل مسار العديد من السفن نحو رأس الرجاء الصالح، كاشفا عن مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، ما أدى إلى ارتفاع في تكلفة النقل البحري، وتأثّر التجارة الدولية، واصبحت السيطرة على الممرات البحرية جزءا لا يتجزأ من الحسابات الأمنية للدول الكبرى.

لذلك لا تقتصر المشاريع البديلة كالممر الاقتصادي الأوروبي الهندي، وطريق الحرير الصينية، على الشرق الأوسط، بل تتدخل في سياق إعادة صياغة بعض الدول، ويمثل بذلك مشروعا جيوسياسيا يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية واسرائيل، مدعوما من أميركا، لمحاصرة تمدد طريق الحرير الصيني نحو الاتحاد الأوروبي وروسيا، التي تسعى كل من هذه الدول الكبيرة، إلى تأمين موقع له في شبكة التجارة والطاقة العالمية.

لا بد لنا هنا أيضا التوقف عند الواقع الجيوسياسي للموانئ التي بات بعض منها على خريطة النفوذ العالمية، مثل ميناء حيفا وميناء جبل علي في الإمارات، والفاو في العراق، وطرطوس في سوريا، وحتى ميناء بيرايوس في اليونان. فهذه الموانئ تُعتبر حلقة وصل في شبكة لوجيستية عالمية تتنافس عليها الدول الكبرى، لأنّ هذه الموانئ أصبحت جزءا من النفوذ العالمي ومن حركة التجارة العالمية.

يبدو أنّ الشرق الأوسط أصبح في عين عاصفة الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية. وما الحروب الحاصلة إلا جزء لا يتجزأ من هذا الصراع الدولي على الطاقة والغاز والممرات الاقتصادية. فبعد الآن لم تعد تقاس الدول بحدودها فقط، بل أصبحت الموانئ وخطوط الأنابيب ونقل الغاز والنفط، والسكك الحديدية والكابلات البحرية، وسلسلة التوريد والممرات التجارية، أحد أهم ركائز موازين القوى. فكل من يسيطر على عقدة لوجيستية أو ممر للطاقة، أو لديه موارد يكتسب نفوذا، قد يكون أهم من القدرات العسكرية.

لذلك توسع الصراع في المنطقة من صراع حدود ليشمل صراع الحركة، كحركة الطاقة وحركة تنقل البشر، وحركة التجارة وحركة البيانات ورؤوس الأموال، وحركة النقل اللوجيستية. لذلك القارئ في مستقبل الشرق الأوسط يعرف جيدا أنّ مستقبل المنطقة وربما العالم، سيكون هجينا وغير متماسك، ما يجعل المنطقة على صفيح انفجار كبير، لأنّ من سيملك مفاتيح الحركة كلها، يمتلك العالم.. فهل الدول الكبيرة ستسلّم جدلا في الأمر الواقع لسيطرة دولة واحدة على كل هذه المفاتيح؟  

news_suggested_videos_بثوانٍ حاسمة.. سائق ينجو من انهيار أرضي مروع في فيتنام
play