hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

من يضمن أمن "منطقة الخليج"؟

آخر تحديث:
المجتمع الدولي تقع على عاتقه مسؤولية أساسية في دعم أمن المنطقة وضمان استقرارها (وام)
المجتمع الدولي تقع على عاتقه مسؤولية أساسية في دعم أمن المنطقة وضمان استقرارها (وام)
verticalLine
fontSize

منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، شكّلت دول الخليج العربي نموذجًا لافتًا على الساحة الدولية. فمن خلال تطورها السريع وانفتاحها الواسع على العالم، استطاعت ترسيخ مكانة مرموقة لها ضمن منظومة المجتمع الدولي. وقد نجحت أيضاً، خلال العقود الماضية، ولا سيما في السنوات العشرين الأخيرة، في بناء تجربة متميزة في التنمية والاستقرار والتعايش، والمضي قدمًا نحو المستقبل، رغم وجودها في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.

الخليج العربي.. نموذج تنموي في منطقة مضطربة

فعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها، نجحت مدن مثل دبي والدوحة وأبوظبي والرياض في التحول من مراكز اقتصادية وعمرانية حديثة إلى نماذج ملهمة لما يمكن أن يحققه الانفتاح والتعاون، وما يمكن أن يصنعه الاستثمار في الإنسان والتنمية والتواصل بين الثقافات. كما نجحت هذه المدن في تقديم صورة مميزة عن منطقة الخليج، لا باعتبارها منطقة غنية بالموارد والثروات فحسب، بل أيضًا بوصفها مساحة للفرص والطموح والتلاقي بين الشعوب، ونموذجًا للاستقرار والحداثة والرفاهية وصناعة الأمل والمستقبل.

لكن هذا النموذج، بما يمثله من إنجازات ومكتسبات، واجه في الفترة الماضية اختبارًا أمنيًا بالغ الخطورة. إذ وضعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منطقة الخليج أمام مرحلة جديدة من التحديات والمخاطر، في ظل تداعيات أمنية واقتصادية واستراتيجية تهدد بعض الركائز الأساسية التي قام عليها هذا النموذج، وفي مقدمتها الاستقرار والحوار.

فمنذ بداية هذه الحرب، وجدت دول الخليج نفسها في قلب صراع لم تسعَ إليه، بل بذلت جهودًا متكررة لتفاديه وتجنيب المنطقة والعالم تداعياته. ويمكن القول إن هذه الحرب وضعت دول الخليج أمام تحديات أمنية جديدة، على الرغم من السياسات التي انتهجتها والقائمة على الاستقرار والحوار، والجهود التي بذلتها للحفاظ على أمن المنطقة وإبعادها عن الصراعات.

عمليًا، وقبل هذه الحرب، ارتبط أمن دول الخليج، على مدى العقود الماضية، بشكل أساسي بالدور الإستراتيجي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة، باعتبارها الحليف الأمني والعسكري الأبرز لمعظم دول المنطقة. وقد تعزز هذا الدور بصورة ملحوظة منذ حرب الخليج عام 1991، حيث باتت الولايات المتحدة شريكًا رئيسيًا في أمن الخليج. وقد تجلّى ذلك من خلال حضورها العسكري واتفاقياتها الدفاعية مع دول المنطقة، فضلًا عن منشآت استراتيجية، مثل الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة العديد الجوية في قطر. وأسهم هذا الدور في ترسيخ الشراكة الأمنية بين واشنطن والعواصم الخليجية، وجعل الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.

لكن اليوم، وفي ظل ما تواجهه هذه المنطقة الإستراتيجية من تهديدات أمنية وحالة من عدم اليقين، وفي ضوء عدم قدرة واشنطن على تحقيق الاستقرار المطلوب فيها، يبرز سؤال محوري يترقبه الكثيرون: من يضمن أمن منطقة الخليج؟

أمن الخليج مسؤولية دولية وخليجية مشتركة

للإجابة عن هذا السؤال، البسيط في صياغته والمعقد في أبعاده، لا بد من الانطلاق من حقيقة أساسية، وهي أن أمن الخليج لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل بات مصلحة دولية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الأسواق الدولية. فقد كشفت التطورات الأخيرة أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة لا يمكن أن تبقى تداعياته محصورة في حدودها الجغرافية، بل تمتد آثاره إلى مختلف أنحاء العالم، بما يجعل استقرار الخليج مسؤولية تتجاوز دوله إلى المجتمع الدولي بأسره.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، تقع على عاتقه مسؤولية أساسية في دعم أمن المنطقة وضمان استقرارها، بالتعاون مع مختلف القوى الدولية الأخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا. فالحقيقة اليوم أن الحفاظ على أمن هذه المنطقة لا يخدم دولها وحدها، بل يحمي أيضًا نموذجًا تنمويًا وبنّاءً أثبت أهميته للاقتصاد العالمي، وللتواصل والتعاون بين الشعوب.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن ضمان أمن منطقة الخليج من دون التوقف عند مسؤولية دول المنطقة نفسها ودورها في حماية أمنها وصون مكتسباتها. وكما قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قبل أكثر من 50 عامًا "إن أبناء الخليج عبر العهود الماضية هم حماة الخليج". وهي مقولة تكتسب اليوم أهمية متجددة، خصوصا في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وتحديات تؤكد أن أمن الخليج لا يمكن أن يُترك رهينة للمتغيرات الدولية أو لحسابات القوى الخارجية.

لقد أظهرت الهجمات التي تعرضت لها السعودية، وقبلها الإمارات والكويت والبحرين وقطر وحتى عُمان، أن أمن دول الخليج مترابط ولا يقبل التجزئة، وأن أي تهديد تتعرض له دولة خليجية لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا داخليًا يخصها وحدها، بل هو تهديد يمس أمن المنطقة واستقرارها بأسرها.

وبالتالي، لم يعد التضامن الخليجي مجرد تعبير عن الروابط التاريخية والأخوية بين شعوب المنطقة، بل أصبح ضرورة إستراتيجية تفرضها المصالح المشتركة وطبيعة المخاطر التي تواجه دولها. وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق السياسي والأمني والدفاعي، وتطوير آليات العمل المشترك، والارتقاء بالتعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي من مستوى التفاهم والتضامن إلى مستوى القدرة الفعلية على مواجهة التحديات وحماية الأمن الجماعي.

التقارب السعودي الإماراتي بوابة لتعزيز التضامن الخليجي

وهنا بالتحديد، يكتسب التوجه الإماراتي الذي عبّر عنه الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، والداعي إلى إحياء العمل الخليجي المشترك، وخصوصا في بُعديه الأمني والدفاعي، وتعزيز منظومة الأمن الجماعي، أهمية خاصة. فالتأكيد على أن استهداف المملكة العربية السعودية يقوّض أمن الإمارات ودول الخليج كافة، وأن أمن الخليج مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون أو التأجيل، يشكّل قاعدة أساسية يمكن البناء عليها لترسيخ معادلة أمنية خليجية أكثر تماسكًا وفاعلية.

فاليوم، تمتلك دول الخليج، بما لديها من إمكانات اقتصادية وعسكرية، وعلاقات دولية واسعة، وثقل سياسي وإستراتيجي، مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور أساسي في حماية أمن هذه المنطقة الحيوية ومصالحها. لكن الاستفادة من هذه المقومات تظل مرهونة بقدرة دولها على تعزيز التضامن، وتجاوز الخلافات والتباينات، وتغليب المصالح الإستراتيجية المشتركة على أي اعتبارات أخرى. فالأمن الخليجي لا يُبنى بالإمكانات وحدها، بل بتكاملها وتوظيفها في إطار رؤية مشتركة وإرادة سياسية واضحة.

وفي هذا السياق، يلوح في الأفق تقارب سعودي إماراتي يمكن أن يشكّل فرصة مهمة لتعزيز العمل الخليجي المشترك، خصوصا في ظل التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة. وتأتي زيارة وزير الدفاع السعودي إلى أبوظبي في الساعات الماضية لتؤكد أهمية التواصل والتنسيق بين البلدين في هذه المرحلة الدقيقة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تعزيز للتفاهم حول القضايا الإقليمية وأولويات الأمن والاستقرار. فالتفاهم بين الرياض وأبوظبي لا تقتصر أهميته على العلاقات الثنائية، بل يمتد أثره إلى مجمل منظومة التعاون الخليجي، بالنظر إلى الثقل السياسي والاستراتيجي الذي يتمتع به.

يُقال في العامية "الإخوان كالأصابع، إن اجتمعت صارت قبضة". وعليه، فإن الرهان اليوم هو أن يشكّل التقارب السعودي الإماراتي مدخلًا لتعزيز القبضة الخليجية وتفعيل العمل المشترك، بما يتيح لدول المنطقة توظيف إمكاناتها في حماية أمنها وصون مكتسباتها. فأمن الخليج يبدأ بإرادة أبنائه ووحدة مواقفهم، ولا تكتمل ضماناته إلا بتضامن دوله وقدرتها على العمل معًا من أجل مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.  

news_suggested_videos_ الكواليس المرعبة للحوار.. شروط "فتح" فضحت المستور وإسرائيل تراقب
play