"ما هذه المباراة المجنونة؟"، "هل تابعتَ المواجهة؟"، "لولا الطرد القاسي، لتغيّر الوضع"، "الهدف الـ4 كان رائعاً، شاهدته أكثر من 100 مرة"، "هذه كرة القدم التي نريد"، "لم تشاهد اللقاء؟ فاتك نصف عمرك".. هكذا، وربما أكثر، ما كانت عليه أحاديث العامّة منذ صبيحة اليوم التالي لـ"الموقعة" بين بايرن ميونخ الألماني وريال مدريد الإسباني ضمن جولة الإياب من ربع نهائي دوري أبطال أوروبا في كرة القدم.
كانت أشبه بـ"مناسبة عامة" لم تنحصر فقط بـ"معشر كرة القدم" الذي تباهى بها وافتخر بما يحب، وصولاً إلى اعتبارها حجة لكل من شكك يوماً بعشقه لها ملاذَ متعة.
سعى ريال مدريد بكبريائه المعتاد إلى "البقاء على قيد الحياة" بعد التخلف ذهاباً على ملعبه "سانتياغو برنابيو" 1-2.
وبدت المهمة معقدة للغاية، أشبه بمستحيلة، أمام خصم ألماني قاسٍ لا يرحم أتعَبَهُ في عقر داره حيث كاد أن يحقق نتيجة تاريخية عليه لولا سوء الطالع، فكيف و"رحلة العودة" مقررة في قلب ميونخ، استاد "أليانز أرينا"؟
في العادة، تتسم المواجهات بين "كبار القوم" بالحذر في بداياتها بغية الجس التقليدي للنبض، خصوصاً على هذا المستوى المتقدم من المنافسة حين يفرض الاحترام المتبادل نفسه، مع الأخذ في الحسبان 15 مليون يورو سيضعها المتأهل في جيبه، عدا الهيبة التي سيكتسبها نظير قهره خصماً تاريخياً، وقبل كل ذلك عيش ترف الاقتراب أكثر فأكثر من معانقة اللقب الأغلى.
بطل الخشبة
لم تكد تمر دقيقة واحدة من "المسرحية الواقعية" حتى وجد المتابع نفسه معنيّاً بما "سيحصل" وبمن سيكون "بطل الخشبة". بغض النظر عن الميول، حتى الحيادي وجد نفسه مأخوذاً بـ "معركة" لا ناقة له فيها ولا جمل.
لم تلفظ الدقيقة الأولى أنفاسها حتى كان الألماني مانويل نوير الذي يعتبر، بالنسبة إلى كثيرين، أفضل حارس مرمى في التاريخ، يرتكب الخطأ الساذج فاستغله التركي أردا غولر لتسجيل هدف التقدم، فارضاً التعادل 2-2 في مجموع المباراتين.
هنا، تقمّص نوير دور "المتّهم" في نظر عشاق "بايرن"، غير أنه فرض نفسه بطل "حبكة المسلسل"، إذ أشعل، عن طريق الخطأ، المعركة، وأربك المُخرج الذي خطط لبداية هادئة قبل أن يجد نفسه رهن سيناريو وحوار من نسج الخيال والليالي الملاح.
من البداية وحتى صافرة الختام في الوقت المحتسب بدلا من الضائع، انتشت كل دقيقة بزمنها، عاشت أفخم معانيها، فرضت نفسها "مسافة حياة" لدى كل من تابع "المباراة - الحلم". لم يبخل الأبطال عرقاً، من الجانبين، ولم يكن الاستسلام خياراً لأيٍّ منهما.
ريال مدريد يتقدم، بايرن ميونخ يعادل. سيناريو تكرر مرة، مرتين، ثلاثاً، إلى أن حسم "دي روتن" - وهو لقب الفريق الألماني - أمره، وفاز. كان التعادل كافياً لوضعه في نصف النهائي، لكن "الرواية" تحتاج إلى بطل ينتصر في المعركة الختامية، فانتهت الحرب به مكلّلاً، جديراً بفوز أولاً... وتأهُّل ثانياً.
يليق بتلك الموقعة أن تتخذ نشيداً مما روته "فيروز" بصوتها النابض صخراً للكاتب اللبناني جبران خليل جبران: "ماذا بعد قتال اثنين جبارين".
أوفت الدقائق التي امتدت إلى أكثر من 90 بكل ما هو متوقع وغير متوقع منها. أثبتت حقاً بأن المواجهة بين "بايرن" و"ريال" هي "كلاسيكو أوروبا"، قمة كرة القدم على مستوى الأندية في العالم، "لقاء السّحاب"، تحدي الكبرياء.
الأكثر تكراراً
انطلقت مسابقة دوري الأبطال (كأس أبطال الأندية الأوروبية) في 1956، بيد أن الجانبين الإسباني والألماني لم يلتقيا بتاتاً في النهائي، مع أن اللافت يتمثل في كون المباراة التي تجمعهما هي الأكثر تكراراً في تاريخ البطولة. فقد سبق لهما أن تواجها 30 مرة، وهما متعدلان على هذه الجبهة مع 13 انتصاراً لكل منهما و4 تعادلات.
صحيح أن ريال مدريد هو زعيم المسابقة بـ15 لقباً قياسياً مقابل 6 فقط لخصمه الألماني الذي خسر 5 مباريات نهائية كان مرشحاً على الأقل للفوز في 4 منها، بيد أن جماهير "الملكي" كانت تطلق، لفترة طويلة، على "بايرن" لقب "الدابة السوداء" لأنه كان الوحيد القادر على إيقاف ناديها في أوج قوته.
يُطلق على مباراة الكبيرين أيضاً لقب "نصف نهائي القرن"، لأنهما تواجها في هذا الدور تحديداً 8 مرات.
هذه الكثافة في الأدوار الحاسمة منحت اللقاء صبغة الـ "كلاسيكو" لأنه دائماً ما يشهد "تكسير عظام" للوصول إلى النهائي.
ميلان يتفوق على "بايرن" بعدد الألقاب (7)، صحيح، بيد أن الغياب الطويل للنادي الإيطالي عن مسرح الأحداث والافتقار إلى تراكم المواجهات مع "مدريد" بالتحديد، جعلا "القمة" تنحصر بين "ريال" و"بايرن " الحاضرَين دائماً على "خشبة المشاهد الأخيرة".
"بايرن" عقّد "ريال" لسنوات قبل أن يأتي العام 2012 لتنطلق سطوة النادي الإسباني، فما عاد يخسر أمام غريمه طيلة 14 سنة، إلى أن جاءت سنة 2026 حين ردّ "العملاق الألماني" اعتباره بالفوز ذهاباً وعودة بعد مواسم عدة شهدت سقوطه في مناسبات عدة نتيجة أخطاء تحكيمية فادحة سبقت دخول تقنية الحكم المساعد (VAR)، وجاءت حتى بعدها.
الدقيقة 88 من المباراة الأخيرة شهدت طرد الفرنسي إدواردو كامافينغا، ما أثار سخط الجمهور المدريدي الذي استغله شمّاعة لتبرير خسارة مستحقة، واستجلب كلاماً كثيراً من "المعسكر البافاري" عن أخطاء تحكيمية سابقة قضت على آمال "بايرن" في البطولة، بينها طرد التشيلياني أرتورو فيدال عام 2017 من لقاء الفريقين من دون أن يلمس خصمه.
طردُ كامافينغا اعتُبر قاسياً لكنه "لم يكن غير شرعي"، فقد تعمد اللاعب إضاعة الوقت. حصل على إنذار أضيف إلى آخر سابق، فاقتضى الطرد.
اختلاف البناء
يعتبر ريال مدريد وبايرن ميونخ هما الفريقان الأكثر وصولاً إلى الأدوار النهائية حيث بلغ الأول ربع النهائي 41 مرة متقدماً فقط على الثاني (36 مرة) الذي بات أكثر من ينجح في إقصاء "الملكي" من البطولة (6 مرات).
معلوم، في المقابل، أن "ريال" هو الأكثر إقصاءً لـ "بايرن" من الأدوار الإقصائية أيضاً (7 مرات).
خلال السنوات الأخيرة، حاول "مدريد" بناء فريق لا يُقهر عبر شراء ما لذّ وطاب من نجوم. نجح حيناً وفشل حيناً آخر.
في المقابل، بقي "البافاري" منطقياً في تعاقداته، كما اعتاد عليه، منذ البدايات.
وفي عودة إلى اليوم، أثبتت المواجهتان الأخيرتان بينهما بأن الجانبين يسعيان إلى البناء، لكن الاختلاف يكمن في الطريقة.
ربما ربط كثيرون مجريات الموقعتين بلحظات وومضات وفرص وحظ، لكن الحقيقة أن "بايرن" تأهل لأنه تصرّف كفريق. لديه نجوم مثل الإنجليزي هاري كاين والكولومبي لويس دياز والفرنسي مايكل أوليس، لكن الفارق يكمن في طريقة التحرك والعمل. فقد وضع مدربه البلجيكي فنسان كومباني خطة لكل حركة، تمريرة، للضغط الجماعي والتحولات المنظمة. ورغم ذلك، بدا لاعبو الفريق وكأنهم يتصرفون بحرية مطلقة. والأهم من كل ذلك تلك الثقة بما يقومون به عن ظهر قلب.
أما ريال مدريد فهو لم ينجح في الخروج من معادلة تقليدية يعتمد فيها على لاعبين من طراز عالمي رفيع مثل الفرنسي كيليان مبابي والبرازيلي فينيسيوس جونيور. هما بين الأغلى في العالم وقادران على حسم المباريات بمفردهما لكن ليس أمام منظومة متماسكة تعتمد على التناغم والسيطرة وتبادل الأدوار والقدرة على استباق خطوات الخصم.
أمام فريق مثل "بايرن"، تُعتبر "مدرسة استغلال اللحظات" مخاطرة ساذجة. فالنجاح يُبنى على "ومضة" من مبابي أو فينيسيوس، فيما يكون "البافاريون" في مرحلة تنفيذ فكر محفوظ عن ظهر قلب وقائم على الاستحواذ على المجريات تدريجياً وبرغبة جامحة.
الانسجام والإبداع
على مدار المباراتين، فرض الانسجام الجماعي نفسه على الإبداع الفردي والمبادرة الشخصية البعيدة عن دعم المنظومة.
بدا واضحاً بأن مدرب ريال مدريد، ألفارو أربيلوا، دعا كل لاعب من لاعبيه إلى التعبير عن نفسه، فيما وجّه كومباني عناصره للتعبير عن أنفسهم معاً، كل من خلال الآخر.
لذا، لم يأتِ الفوز ليفاجئ أحداً أو يصدمه، بل فرض نفسه ترجمةً لتفوق فريق على مجموعة من النجوم.
هذه المرة، لم يخسر ريال مدريد أمام بايرن ميونخ فقط، ولن يقتصر مردوده المالي من المشاركة في دوري الأبطال على 52.62 مليون يورو فقط، مع ما يستتبع ذلك من تأثير على مداخيل النادي وخططه المالية، بل الأصح القول إن النادي الإسباني سقط كمنظومة، كسياسة تعاقدية، كوجهة فنية، كعقلية، كعمل فريق، وإن الوقت حان، ربما، لانطلاقة جديدة درسُها الأول: بايرن ميونيخ.