عاد النقاش بقوة حول حرية التعبير في نقد الأديان في الغرب، بعد تكرار ظاهرة حرق القرآن في السويد، والتي أثارت في السابق الكثير من ردود الأفعال القوية في العالم الإسلامي ولدى الجالية المسلمة في البلدان الغربية، كما أعادت إلى وسائل الإعلام وإلى النقاش العمومي أسباب وعوامل هذا التصعيد الذي قد يؤدي مستقبلا إلى مواجهات ليست في صالح أيّ طرف من أطراف الصراع.
"احترام الآخر"
والسؤال الذي طرحه الكثيرون هو: هل الديمقراطية تتضمن في مبادئها ومنطلقاتها الفكرية، الإساءة للأديان أو السخرية منها، وهو السؤال الذي نجيب عنه دائما بالقول: إنّ الديمقراطية هي التدبير السلمي للاختلاف بين أطراف يفترض أنها متساوية في الحقوق والواجبات، ولا تنصّ في مبادئها على "الحقّ" في الإساءة للأديان، أو المسّ بمشاعر المتديّنين، حيث إنّ مفهوم الحرية في الديمقراطية، يتحدد انطلاقا من مبدأ احترام الآخر وعدم الإضرار به.
غير أنّ "احترام الآخر" مبدأ لا يُفهم بسهولة في العالم الإسلامي، أو حتى لدى الجالية المسلمة المقيمة في الغرب، حيث غالبا ما ينصرف الاهتمام إلى ضرورة احترام مقدسات المسلمين، وعدم ازدرائها أو الإساءة إليها بالنقد أو السخرية، لكن قلما يلتفت هؤلاء إلى أنّ مبدأ احترام الآخر في الديمقراطية، يقتضي أن يكون "متبادلا"، وليس احتراما من طرف واحد، حيث يفقد هذا المبدأ مدلوله الحقيقي عندما لا يكون بديهيًا لدى الطرفين، لأنّ كونه "متبادلا" هو ما يضمن التعايش المشترك، إذ يحترم المتدينون غيرهم ويحترمهم الغير كذلك.
ويجعلنا هذا نفهم السبب الحقيقي للتصادم والمواجهة في هذا الموضوع، إنه التوتر الواقع بين تيارين إيديولوجيين يرفضان أصلا مبدأ "العيش المشترك" و"احترام الآخر"، لأنهما يقومان على نوع من الطُهريّة في مقابل "دنس" الأخرين، وهما اليمين المتطرف في الغرب، والسلفية الوهابية وإيديولوجيا "الإخوان المسلمين" لدى نسبة مهمة من الجالية المسلمة المقيمة في ديار المهجر، حيث وَجد الجيل الثالث من العائلات المهاجرة نفسه، في أزمة هوية كبيرة قام بمعالجتها عبر تبنّي نمط التديّن المتشدّد، الذي رمى به بشكل مباشر في مرمى اليمين المتطرف، وهكذا أصبح التصعيد والتوتر بديلًا للحوار الحضاري، الفكري والسياسي.
ومن المؤكد أنّ إيديولوجيا اليمين المتطرف، وإيديولويجا "الإسلام السياسي"، تنشران معا ذهنية تسعى إلى الرغبة في جعل مزايا الديمقراطية في خدمة أهداف سياسية غير شريفة، أو لنقل إنها تتعارض مع مبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة، التي من خصائصها الصميمة خدمة جميع مكونات المجتمع المختلفة، على قدم المساواة من دون تمييز باللون أو العرق، أو العقيدة أو اللسان، والنسب العائلي.
ثمة نقطة ينبغي تعميقها لدى الشباب حتى يكونوا على بيّنة من أسباب التوتر الحالي بين الغرب والجاليات المسلمة، بعد الأحداث الإرهابية التي هزت العديد من البلدان في السنوات الماضية، فلدينا حملات استقطاب من طرفين: الغرب ضد "الإرهاب" ومن أجل حماية حرية التعبير من جهة، والعالم الإسلامي من أجل احترام المقدسات الدينية الإسلامية في البلدان الغربية من جهة أخرى، وهما مطلبان مشروعان تماما، لكنّ الملاحظ أنّ "الإسلام السياسي" علاوة على عدم قدرته على التمييز بين الدين والدولة، حيث يعتبرهما متلاحمين تلاحما عضويا، لا ينتبه إلى أمر مهم جدا، وهو أنه يطالب باحترام المقدسات الإسلامية من دون أن يعكس في وعيه الديني احتراما لمبادئ الآخرين، ومكتسباتهم خاصة على المستوى الثقافي والقيمي، وهي المكتسبات التي قامت عليها الدولة الحديثة في الغرب على الأقل خلال الـ 200 عام الأخيرة.
التشدّد الديني اللاعقلاني
فبعض مكونات الجالية المسلمة الذي ابتُليت في العالم الغربي بتبنّي أفكار التشدّد الديني اللاعقلاني، تجد صعوبة كبيرة في احترام المواطنين الغربيين المحيطين بهم، وهم يعزون هذا التعامل السلبي إلى عامل العقيدة (كما قدمها لهم الإسلام السياسي)، وفي مقابل ذلك نجد عنصرية اليمين المتطرف التي تقوم على الاعتقاد في دونية المهاجر ودونية ممتلكاته الرمزية، ما يجعل الوضع في غاية التعقيد، حيث تبدو مختلف أنشطة المواطنين الغربيين مثيرة لاشمئزاز لجزء من الجالية المسلمة، كالحفلات والأفراح واللباس والمأكولات والموسيقى والرقص والبرامج التلفزيونية، وقيم المساواة بين الجنسين، وحرية التفكير والتعبير إلخ.. وهو ما يعبّر عنه المواطن المسلم (المنخرط في تيار التشدّد الديني) بمقاطعة أنشطة المجتمع الغربي، والحرص على العيش في "غيتو" مغلق خوفا على قيَمه الخاصة التي يعتبرها أنقى وأسمى، كما يحرص على شحن أطفاله يوميا بقدر كبير من الكراهية للمحيط الاجتماعي الغربي، الذي هو الفضاء الوحيد الذي يمكن أن يحتضن هؤلاء الأطفال ويعيشوا فيه بصفتهم مواطنين ذوي حقوق.
وفي المقابل يعتبر اليمين المتطرف، الذي هو في صعود وتزايد مخيف، بأنّ كل تمظهرات الثقافة الدينية للمسلمين في الفضاء العام، هي استفزاز لمشاعره، ما يردّ عليه بمواقف لاعقلانية مثل إحراق القرآن.
ينتج عن هذا الموقف الشاذ والمضطرب (الذي يمثّل أقلية من الأفراد من الطرفين، لكنها أقلية نشيطة ومثيرة للقلاقل)، ينتج عنه إخلال كبير بالتوازن النفسي والذهني للأطفال، حيث يفقدون الاحترام الواجب للآخرين، ويصبح نضالهم اليومي هو الرغبة في إثبات الاختلاف، لكنه "اختلاف متوحش" لأنه مبنيّ على كثير من الكراهية للغير.
إنّ الدرس الديمقراطي بمفهومه الكوني والإنساني القائم على اعتبار الإنسان قيمةً عليا محترمة، لا يمكن أن ينصّ على تحقير الأديان أو السخرية منها، لكنه في المقابل لا يمكن أن يقبل بجعل الدين وسيلة سياسية للاستقطاب أو التجييش، أو للحكم والهيمنة من دون أن يُعرضه ذلك لما تتعرض له الوسائل السياسية والإيديولوجية الأخرى من نقد وهجوم. فإذا كان الدين عند المتشدّدين سياسة، فإنّ كل سياسة تتعرض بالضرورة للنقد والاعتراض، وهو أمر طبيعي لا يمكن تجنّبه، والحلّ هو إخراج الدين من دائرة الصراع السياسي والإيديولوجي، واعتباره اختيارا فرديا حرا يُحترم من طرف الجميع ولا يُناقَش.
إنّ هذا التوازن هو وحده الذي استطاع إنهاء العنف في العالم الغربي منذ قرون، ومن شأنه أن ينجح في إنهائه في عالم المسلمين، عندما ينضج عندهم الوعي بذلك.