بعد أن بدا أنّ الحرب الروسية الأوكرانية لن تنتهي إلا بالحسم العسكري، إلا أن التطورات الأخيرة أفرزت حراكاً دبلوماسياً أميركياً غير مسبوق، صنعته التفاهمات التي بدأت منذ قمة ألاسكا وتطورت حتى وصلت إلى نقاط متقدمة جداً، بهدف صياغة خطة سلام محتملة ترسم الخطوط العريضة لاتفاق وقف الحرب بين الجانبين الروسي والأوكراني.
وفي قراءة سريعة لهذه الخطة التي تضمنت بنوداً أساسية، تهدف إلى استقرار الأوضاع ووقف التصعيد العسكري، من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، لا تزال الخطة عبارة عن مسودة تستوجب الدراسة خصوصًا لجهة الشروط الروسية الرافضة للتنازل عن الأراضي الجديدة، والنقطة المتعلقة بفرض قيود حول الجيش الأوكراني أبرزها تقليص عدده إلى 600 ألف جندي.
وكما هو معروف أن الخطة تتألف من 28 بنداً رئيسياً، أحد أهم البنود يعترف بالسيطرة الروسية على المناطق الجديدة، (دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيا) كأمر واقع فرضته الحرب، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، إلى جانب تخفيض عدد القوات الأوكرانية، ووجود ضمانات أمنية أميركية لحماية أوكرانيا من أيّ تهديد خارجي من دون تحديد ما هو شكل أو كيفية صياغة هذه الضمانات، وبالطبع إلى جانب إعادة إعمار أوكرانيا، من وجهة نظر أوروبية عبر استخدام جزء من الأصول الروسية المجمدة بتوافق أميركي أوروبي.
تقريب وجهات النظر
وعلى صعيد آخر، وفي محاولة لإثبات عدم الرضا الأوروبي بهذه الخطة، عمد الجانب الأوروبي إلى إجراء تعديلات على الخطة الأميركية، مثل رفع سقف الجيش الأوكراني في وقت السلم إلى 800 ألف جندي، إلى جانب أن أيّ مفاوضات تتعلق بالأراضي أو ترسيم الحدود يجب أن تبدأ من إعلان وقف القتال، والنقطة الأهم أن بروكسل ترى أن التنازل عن السيادة الأوكرانية أو تقييد حقها في الانضمام إلى قوات حلف الأطلسي (الناتو) يمثل مخاطر إستراتيجية كبيرة قد تهدد أمنهم القومي على المدى الطويل، ما يؤكد أن هذه التعديلات ظاهرها أوكرانيا، لكنها تتعلق بالجانب الأوروبي بشكل واضح.
من جهة أخرى، تعمل الدبلوماسية الأميركية وبشكل لافت هذه المرة على تقريب وجهات النظر، على الرغم من أن المبعوثين الأميركيين لمعالجة هذا الملف ينحدرون من خلفية اقتصادية بحتة سواء كان ويتكوف أو دريسكول وحتى جاريد كوشنر ومن الجانب الروسي مدير صندوق الاستثمار المباشر الروسي- كيريل دميترييف، ما يثير التساؤلات حول مدى قدرتهم على خوض معارك سياسية خاصّة، وقد برز لاعبون آخرون من بينهم دولة الإمارات التي فتحت عاصمتها لجمع إمكانية اجتماع الجانبين، وهذا أمر مرتبط بحجم وقيمة دولة الإمارات في سياق المفاوضات بين روسيا واوكرانيا ونجاحها في السنوات الماضية في الوصول إلى اتفاقيات عديدة مرتبطة بتبادل الأسرى.
فدور الإمارات العربية المتحدة هنا يمكن أن يكون استمرارًا لنجاحها في تقريب وجهات النظر الروسية الاوكرانية، وأن تكون مكانًا مناسبًا للتوصل لحل يوقف العمليات العسكرية.
أما الجانب الأوكراني، فمن المعروف أن وضعه لا يسير على ما يرام في الميدان العسكري، ومع ذلك أبدى تحفظه على بنود الخطة المتعلقة بسيادته، والتنازل عن أراضيه فضلاً عن تقليص الجيش، ما يمكن اعتباره من وجهة نظر كييف "استسلاماً" لا يمكن القبول به بالسهولة المرجوة من الجانب الأميركي، مع الإشارة إلى أن بعض الأطراف داخل الاتحاد الأوروبي يقف إلى جانب أوكرانيا ورفض هذه الخطة معتبراً أنها "مقايضة غير متوازنة"، ما يمنح روسيا فرصة لإعادة ترتيب وضعها حتى لو لم يتم الوصول إلى اتفاق شامل، فضلاً عن أن هذه الخطة بطبيعة الحال من وجهة نظرهم ستضعف أوكرانيا بكل تأكيد.
لذلك، وفي ضوء هذه التطورات، فإن هذه الخطة تحتاج إلى ضمانات واضحة لأنّه بدون ذلك من الصعب الاتفاق عليها، لتتحول من اتفاق إلى هدنة فقط تمنح كل الأطراف فرصة لترتيب أمورها، خصوصًا لجهة تشكيل الخارطة الميدانية بالنسبة لمنطقة العمليات العسكرية في أوكرانيا، إلى جانب الخارطة الأمنية الأوروبية، ولكن كل ذلك قد يتبدل مع وصول المبعوث الأميركي ويتكوف مطلع الأسبوع القادم إلى موسكو ما قد يمكن اعتباره، فرصة مهمة لتحديد مدى جدية كل الأطراف في الالتزام بتسوية محتملة، بالإضافة إلى إمكانية أن تكون الإمارات العربية المتحدة منصة ناجحة لاستضافة المفاوضات المباشرة بين الأطراف.