ظهور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في مقطع فيديو على قمة جبل الشيخ عشية رأس السنة العبرية، برفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس، مشيراً بيده إلى دمشق ولبنان والجولان، أثار موجة غضب وتنديد واسعين، ليس في سوريا فقط وإنما في المنطقة بشكل عام، وسط تحذيرات من تداعيات هذه الاستفزازات المتكررة.
ورقة تفاوضية
نتانياهو أكد خلال كلمته هناك سيطرته المطلقة على المنطقة الممتدة من نهر اليرموك إلى البحر المتوسط، ومتعهداً بعدم السماح لأي قوة بوصفها "جيشاً إرهابياً" بترسيخ وجودها على الحدود، في حين وجه كاتس خطابه مباشرة إلى القصر الرئاسي السوري أحمد الشرع معلناً بقاءهم في المنطقة الأمنية وعدم تحركهم منها.
البعض خفف من حدة تهديدات نتانياهو بالقول إنها ليست إلا حملة انتخابية أملتها الضرورة، لكن البعض الآخر رأى أنها تعبر عن طموحات إسرائيلية حقيقية في الأراضي السورية قد تمتد إلى دمشق كما نشر موقع "والا" الإسرائيلي!
بعد التصعيد الإسرائيلي انقسمت آراء المحللين وصناع القرار؛ بعضهم رأى أن إسرائيل تستخدم تحركاتها الميدانية لتوسيع أوراقها في ظل المفاوضات الجارية بين البلدين، حتى أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كان قال عقب اعتداء إسرائيل على مطار أبو الظهور إن دمشق وتل أبيب توصلتا إلى اتفاق مكتوب لكن إسرائيل تراجعت عنه! فهل هذا التراجع هو تراجع مؤقت حتى تجري الانتخابات في 27 أكتوبر المقبل أم أنه نابع من عقيدة إسرائيلية بحتة تقضي بالاستيلاء على المزيد من الأراضي، بينما تتمسك دمشق بمطالبها المتعلقة بالانسحاب من الأراضي التي أُحتُلت بعد 8 ديسمبر 2024 والعودة إلى اتفاقية فصل القوات الموقعة في العام 1974.
غالباً ما تتصف خطابات المسؤولين الإسرائيليين بالتصعيد ووصف الجيش السوري بأنه "جيش إرهابي" والاستشهاد بأنه يضم بين صفوفه مقاتلين أجانب، وأن الشعارات التي يطلقها الجيش في بعض المناسبات كمناصرة أهل غزة أو تحرير القدس تتلاقى مع تصريحات حركة "حماس" والحركات الجهادية الأخرى في العالم الإسلامي، في حجة جديدة للتمسك بالأرض، والقول بأن إسرائيل تخشى أن يتعرض شمال إسرائيل لما تعرضت له مناطق مجاورة لغزة في 7 أكتوبر 2023.
منذ اندلاع أحداث السويداء، وإسرائيل ترى في هذا الملف حجة كبيرة للتدخل في الشأن السوري، حتى أن الكثير من القيادات في السويداء، وفي مقدمهم الشيخ حكمت الهجري، صرحوا بأن السويداء جزء من إسرائيل! وما عمق الشرخ أكثر هو استخدام إسرائيل القوة لوقف التقدم الحكومي العام الماضي تجاه السويداء، فهل ستنجح إسرائيل في الاستمرار باستثمار هذا الملف أم يكون المخرج بتنفيذ اتفاق عمان الموقع في أغسطس 2025 بين سوريا والأردن والولايات المتحدة، بهدف وضع خارطة طريق لحل أزمة محافظة السويداء جنوبي سوريا؟
فتح جبهة جديدة
ويراهن البعض في سوريا على عدم قدرة إسرائيل على فتح جبهة جديدة مع سوريا في وقت تخوض فيه تل أبيب حروباً متعددة الجبهات في غزة ولبنان والعراق وإيران واليمن، وهذا ما يتباهى به نتانياهو من أن بلاده تخوض الحرب على عدة جبهات، ويرى هؤلاء أن استمرار حالة الاستنفار الإسرائيلي مع سوريا يحولها إلى ورقة تستخدمها المعارضة الإسرائيلية ضد نتانياهو، في ظل تراجع موقفه الانتخابي بفعل سياساته الأمنية.
ويرى متابعون أن إقرار ترامب بأن الجولان أرض إسرائيلية وتكراره ذلك في مناسبات عدة يضعف الموقف السوري، وخصوصا أن سوريا تستند إلى دعم واشنطن وقدرتها على لجم طموحات تل أبيب وإجبارها على الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها بعد 8 ديسمبر، والعودة لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة في العام 1974؛ لذا يخشى مراقبون أن يقوم ترامب أو أي رئيس أميركي قادم يوماً ما بشرعنة وجود إسرائيل في جبل الشيخ والمناطق العازلة بعد تدمير القدرات العسكرية السورية من قبل إسرائيل، وهو ما سيمنع دمشق من الاستمرار في المفاوضات وربما اللجوء إلى مسارات أخرى.
صحيح أن التحالف مع تركيا هو أمر مهم وجيد لسوريا من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية، ولكن إسرائيل حولته لعامل ضغط على دمشق وحجة لشن هجمات وغارات جوية على مطارات سورية كما حدث في حمص وحماة وتدمر العام الماضي، ومؤخراً في مطار أبو الظهور القريب من الحدود التركية.
السؤال الآن: ما جدوى المباحثات التي تجري بين البلدين في ظل الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة وعدم التزام إسرائيل بأي تعهد؛ سواء بالانسحاب من جبل الشيخ والمنطقة العازلة، أو وقف الاعتداءات والتوغلات المتكررة؟
فهل تنجح الضغوط الأميركية في التوصل لاتفاق مشابه لاتفاق 1974، أم أن الطموحات الأميركية تتخطى ذلك حتى انضمام سوريا للاتفاقيات الإبراهيمية وتخلي سوريا عن الجولان وقمة جبل الشيخ؟! وهذا من المستبعد أن يحصل.



