hamburger
userProfile
scrollTop

انسحاب أميركا العسكري.. هدية أم لعنة أوروبية؟

الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يتطلب ميزانيات ضخمة (رويترز)
الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يتطلب ميزانيات ضخمة (رويترز)
verticalLine
fontSize

لا يختلف اثنان على أنّ العلاقات الأميركية الأوروبية في إدارتَي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كانت فاترة في الأولى ومتوترة خلال الفترة الحالية، أي الثانية. فالرئيس الأميركي يرى العالم بطريقة مختلفة، وينظر إلى المتغيرات الجيوسياسية من منطلق الراسم الجديد لموازين القوة، من دون الأخذ بعين الاعتبار سوى المصالح الأميركية، رافضًا في الوقت ذاته، ما خلصت إليه المعدلات الدولية في موازين القوة منذ أكثر من 80 عامًا. على هذا الأساس، ينظر ترامب إلى حلفاء أميركا التاريخيين بفوقية وعنجهية، على عكس الخصوم الذي على ما يبدو وحتى الآن يحترمهم.

"التحول نحو آسيا"

من هذا المنطلق لفهم التغييرات السياسية والأمنية والاقتصادية الأميركية، علينا فهم وتبسيط المتغيرات الجيوسياسية في العالم، وبالتحديد في أوروبا.

فالخريطة الجيوسياسية العالمية وتحديدًا الأوروبية اليوم، مختلفة عما كانت عليه في السابق، وخصوصًا في القرن السابق. فلا الاتحاد السوفياتي موجود، ولا الصين ضعيفة، ولا البترول وحده محور الاقتصاد، ولا الذكاء الاصطناعي أساس القوة في المستقبل، ولا حتى أوروبا قوية لدرجة أنها قادرة أن تبسط نفوذها وتؤمّن مصالحها. لذلك علينا أن نفهم ماذا يدور في رأس الإدارة الاميركية الحالية، وخصوصًا أنّ صراعها المقبل مع الصين، يتطلب موارد عسكرية واقتصادية وطبيعية هائلة، تُحتّم على أميركا إعادة رسم مفهومها للأمن القومي جيوسياسي في العالم، انطلاقًا من أوروبا، على قاعدة الأولويات والاهتمامات وليس على قاعدة الحلفاء والتاريخ.

إذا عدنا إلى الوراء قليلًا، مرت العلاقات الأوروبية الاميركية الحديثة في 3 مراحل إستراتيجية ومصيرية:

  • مرحلة انتهاء الحرب العالمية الثانية
  • مرحلة حائط برلين التي بدأت عام 1958
  • مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي

إلا أنّ جميع هذه المراحل كانت داخل القارة الأوروبية، ولكن بمفاعيل جيوسياسية وعسكرية وأمنية وديبلوماسية دولية. اليوم، الواقع مختلف ومعقّد وعلى عكس السابق، أزمات أوروبا هي أزمات أوروبية داخلية بحتة لا دولية، وليس لها تداعيات كبيرة على الأمن الإستراتيجي العالمي، وتحديدًا الأميركي.

أضف إلى ذلك، خلال الفترة الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلى سقوط الاتحاد السوفياتي، لعب الوجود الأميركي العسكري المباشر من خلال حلف شمال الأطلسي بقيادة أميركا، أحد أهم أعمدة الأمن في القارة الأوروبية، لا بل أهم أعمدة النظام الدولي الغربي. ومع انهيار الاتحاد الأوروبي، لم ينتهِ دور الولايات المتحدة العسكري هناك، ولكنه استمرّ من خلال القواعد العسكرية المنتشرة في معظم دول الحلف.

اليوم الواقع الإستراتيجي والأمني والعسكري الأوروبي تغيّر، وتغيّرت معه نظرة الولايات المتحدة لمفهوم الأمن القومي وموازين القوة والنظام العالمي. هذه المتغيرات دفعت الولايات المتحدة إلى البحث في جدوى استمرار الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وخصوصًا أنّ روسيا اليوم ضعيفة ولا تشكل أيّ خطر وجودي على أميركا، ولكنها من دون أدنى شك، تشكل الخطر الأكبر على أوروبا. ولأميركا أيضًا أطماع في أوروبا، وفي مقدمتها غرينلاند التي لا تريد أوروبا التخلي عنها على الرغم من عدم قدرة القارة على حماية الجزيرة. لذلك فإنّ تداعيات أيّ انسحاب عسكري على أوروبا، مجموعة من الأسباب والعواقب الكبيرة على الصعيد الإستراتيجي والاقتصادي والسياسي.

تُعتبر السياسية الداخلية الأميركية الجديدة محور وأساس هذا التغيير، فمعظم السياسيين الذين عاصروا حقبة الحرب الباردة، أصبحوا خارج الخدمة، والجيل الجديد من السياسيين يرى العالم بطريقة مختلفة، ويتطلع إلى اعادة أميركا إلى مجدها، من خلال إعادة أميركا إلى أميركا ورفع شعار "أميركا اولًا"، وذلك بسبب النتائج السلبية للعولمة، وتداعياتها على أميركا والعالم، وأبرزها صعود الصين.

ومع تحوّل الأولويات الإستراتيجية والعسكرية والجيوسياسية الأميركية، من التركيز لعقود على محاصرة روسيا وحماية أوروبا، أصبحت الصين اليوم الأولوية المطلقة والمنافس الأكبر اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا للولايات المتحدة. لذلك الاتجاه الأميركي اليوم نحو ما يُعرف في أروقة الإدارة الاميركية السابقة والحالية بـ"التحول نحو آسيا". ونعني هنا تحويل الموارد الاقتصادية والبشرية والعسكرية والتكنولوجية الضخمة التي تملكها الولايات المتحدة، نحو المحيطين الهندي والأطلسي لكبح جماح الصين التوسعي ولتقليص نفوذها المتزايد في بقاع الأرض كافة. لذلك نشر القواعد الأميركية وآلاف الجنود في أوروبا لم يعد يخدم المصالح الإستراتيجية الحيوية لأميركا.

"الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي" 

تنظر أميركا ايضًا إلى وجودها العسكري الأميركي من منظار اقتصادي. فأوروبا كانت غائبة لعقود عن دفع ما يتوجب عليها من حصتها لحلف شمال الأطلسي، الموجّه أساسًا لحماية القارة من أيّ اطماع روسية.

فالوجود العسكري الأميركي في أوروبا كما الخارج، يتطلب ميزانيات ضخمة تشمل القواعد العسكرية، والتسليح والعمليات وغيرها. ومع زيادة الضغط الاقتصادي الداخلي وارتفاع الدين العام، ترشيد الإنفاق العسكري وتحديده لمواجهة انفلات الصين، أصبح حاجة ملحة لا خيارًا.

من هنا، لا يختلف اثنان على أنّ تداعيات الانسحاب الأميركي من أوروبا، سيصل إلى حد الكارثة الأمنية والدفاعية، وذلك لغياب أيّ بديل جِدّي وعملي لحماية القارة من الضغوط الموجهة إليها من جميع حدودها، وخصوصًا الروسية. فالعديد من الدول الأوروبية وخصوصًا الشرقية مثل ليثوانيا ولاتفيا واستونيا وغيرها، تعتبر الوجود العسكري الأميركي ضمانة لعدم سقوط هذه البلدان الساقطة عسكريًا أساسًا في أيدي روسيا. من هنا بدأ العديد من الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق العسكري والتحول التدريجي نحو مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، وصولًا إلى مطالبة إسبانيا الاتحاد الأوروبي ببناء جيش أوروبي موحد كبديل عن حلف شمال الأطلسي.

من هنا أيضًا، بدأ العديد من الدول الأوروبية بلورة فكرة "الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي" عن الولايات المتحدة. والفكرة تدعو إلى بناء قدرات أوروبية دفاعية وسياسية قوية ومستقلة تؤمّن حمايتها من جهة، واستقلاليتها من جهة ثانية. ومع هذا الضغط الهائل على أوروبا، لا تزال هذه الفكرة تواجه الكثير من العراقيل وعلى رأسها تباين المصالح الأمنية بين دول الاتحاد الأوروبي فدول حوض البحر المتوسط لا ترى مثلًا أنّ روسيا تشكل تهديدًا مباشرًا على عكس دول شرق أوروبا.

أما بالنسبة لأميركا، فانسحابها العسكري قد يسمح لقواتها لإعادة التموضع في مواجهة الصين، ولكن في المقابل قد تخسر أميركا النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي في أوروبا، التي لطالما تحكمت بمفاصله في أوروبا والعالم. إضافة إلى ذلك، هذا الانسحاب قد يخلق الفرصة المناسبة للصين أو روسيا، لملء هذا الفراغ الإستراتيجي الناجم عن هكذا قرار. فروسيا سترى بذلك الانسحاب فرصة لن تتكرر لتوسعة نفوذها أوروبيًا، بينما الصين ستعزز نفوذها الاقتصادي والثقافي والسياسي وربما الأمني في القارة. وهذا ما قد يغير في ميزان القوى العالمي ويؤدي حتمًا إلى تسريع ظهور نظام عالمي جديد بأقطاب مختلفة.

الدخول إلى أوروبا ليس كما الخروج منها. فأوروبا رغم ضعفها فهي ساحرة بقوتها الناعمة القادرة على تغيير موازين القوة العالمية، بمجرد سحب بضعة آلاف من الجنود الأميركيين. لن تكون سهلة على أميركا خسارة أحد أهم حلفائها وثاني اقتصاد، والمرتع الوحيد للديمقراطيات في العالم. فالمستقبل لا يبدو كما نتمناه جميلًا وآمنًا، لأنّ معركة أوروبا وما تخفيه من مفاجأة قد تكون أصعب ممّا كنا نتوقع.