مع استمرار الحرب الأوكرانية، دخلت أدوات جديدة في الصراع الدائر عمّق دور الطائرات المسيّرة وحولها من أداة استطلاعية إلى أداة وعنصر أكثر فعالية في هذه الحرب عندما تمت الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطوير نماذج أصبحت رديفاً أساسياً في الحرب الروسية-الأوكرانية أو حروبٍ أخرى.
فعندما بدأت العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، كان الاعتماد على المسيّرات يُستخدم بشكل أساسي كأداة استطلاعية يتحكم بها العنصر البشري بشكل مباشر، من تحديد الهدف إلى المسار وفق مراقبة ومتابعة بشكل لحظي، وكان الاعتماد فقط على تصوير الفيديو ونقله لتحليل البيانات وهذا كان الجامع في كل أنواع الطائرات المسيرة.
تعزيز أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدخاله في الحروب الحديثة، بدأ يتطور الوضع تدريجياً وأصبح الاعتماد عليه كبير جداً، بدأت الاستفادة من هذه التكنولوجيا شيئاً فشيئاً فأصبحت بعض الأنظمة قادرة على تحليل الصورة بسرعة كبيرة اعتماداً على تقنيات الرؤية الحاسوبية والتعرف على الأنماط، وأصبح تحديد الهدف والمسارات أكثر سهولة، ما منح الجانب المستخدم لهذه التقنية وقتاً أقصر مما كان سابقاً، ما وضع الطائرات المسيرة وكأنها تعمل ذاتياً في دقة اتجاهها وتصويبها للهدف بشكل دقيق.
وقد استفادت روسيا مباشرة من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي ووصلت إلى تصميم برنامجها الخاص أو برامجها الخاصة في هذا المجال ووظفتها في العديد من المجالات خصوصا في تطوير المسيرات خصوصًا الاعتراضية منها خلال العامين الأخيرين، سواء على صعيد الإنتاج أو الاستخدام، فمن الاستطلاع إلى التوسع لاحقاً إلى تعديل نماذج كانت بحوزتها فضلاً عن نماذج أخرى مستوردة ما رفع إمكانية قدرات الاعتراض لديها، من خلال تعزيز أنظمة الحرب الإلكترونية بغرض التشويش على الملاحة والاتصال بين الطائرة ومشغلها، وبحسب تقارير عسكرية عديدة، تم أيضاً تطوير وسائل تتعلق بتطوير أداوت الدفاع قصيرة المدى تكون موجهة بطريقة مباشرة ضد أهداف سريعة وصغيرة، ومع الوقت طورت روسيا أيضاً تقنيات أخرى جديدة بدأت بدمج تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في هذه الأنظمة بما في ذلك الدفاع الجوي ما ساعدها على تحقيق نتائج متقدمة.
وبشكل عام، لا يمكن القول إن دمج التكنولوجيا في الحرب هو درس على الدول أن تتعلمه، وطبعاً روسيا ليست استثناء، فلطالما ركزت روسيا على مراكزها البحثية في كل المجالات، وهي من أشهر وأقوى الدول في الصناعات العسكرية، وسلاحها مطلوب عالمياً، وقدراتها في التطوير لا يمكن أن ترتبط بحرب أو غيرها، ومع توفر أدوات جديدة من الطبيعي أن تسخرها لما يمكن أن يساعد في هذه الحرب، فقد استفادت من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى حد كبير، ووظفتها في تطوير القدرات الدفاعية والهجومية معاً.
لكن من الممكن القول إنها استفادت من توظيف هذه التكنولوجيا لصالحها وهذا أمر طبيعي وكما ذكرت فقد صممت برامجها الخاصة في هذا الشأن، وتأكد ذلك من خلال يقينها بأن الآلة العسكرية مهما كانت متطورة قد لا تكفي لوحدها في ساحات المعارك لذلك حولت هذه الأنظمة من عوامل مساعدة إلى عوامل مباشرة في المعارك، وأصبحت تعتمد عليها بشكل كبير محولة الفرص إلى حقائق على الأرض ما غيّر بشكل فعلي قواعد الاشتباك.
الذكاء الاصطناعي عامل حاسم
بالتالي، فإن الجميع يعلم أن الحرب الأوكرانية تحولت إلى ساحة اختبار خصوصًا للمنظومات الغربية التي مدت أوكرانيا بالأسلحة، إذ بدأ يتم اختبار هذه الأسلحة في ساحة معركة حقيقية مستفيدين من أي أخطاء تواجه هذا السلاح او ذاك، ومن يكتشف ذلك هو نفسه الجندي الموجود داخل المعركة الذي يرسل ملاحظاته مباشرة إلى القيادة وبدورها تنقل إلى الفريق المختص هذه الملاحظات، ويُصار إلى تصويب الخلل سواء كان من الطرف الروسي أو الأوكراني وليس كالسابق يحتاج التطوير لسنوات ففي بعض الأحيان الذكاء الاصطناعي نفسه يضع مخطط التصحيح وخلال أيام أو أسابيع قليلة يتم ابتكار النماذج المطلوبة.
لذلك لإإن استخدام الذكاء الاصطناعي يعد عاملاً حاسماً، لكنه لا يحقق التفوق العسكري لوحده، فهو نظام مهما بلغت درجة تطويره يحتاج إلى المشغل الذي يقوم ببرمجة هذا النظام ويطلب منه ابتكار نماذج مساعدة لكنها غير كافيه لوحدها، فإلى الآن يركز على تحليل البيانات الاستخباراتية ودعم الأنظمة الموجودة أصلاً لذلك يمكن القول إنه عامل مساعد في تحقيق التفوق لكنه غير حاسم بدرجة كبيرة.
وهذه التقنيات المتطورة، أعادت إحياء مفهوم تطوير الصناعات العسكرية التي كانت سابقا تعتمد على الكم والنوع والإنتاج الضخم، فاليوم أصبح كل ذلك أمراً غير أساسي كما في السابق، لأن التركيز كان بنسبة أكبر على تطوير الطائرات المسيرة وكما ذكرت أنظمة التشويش والاعتراض، ولكن هذا لا يعني تحولها إلى أداة أساسية بل إلى عامل مساعد كما أشرت إلى جانب الأسلحة التقليدية.
فالاستخدامات كثيرة منها التي تستخدم الألياف الضوئية، ومنها ما تم تصميم أشباك تتصيدها وهذا وجدناه في الحرب في جنوب لبنان، ما يعني أن الكل استفاد من أرض المعارك بين روسيا وأوكرانيا، وأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أي سلاح نوعي، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن صواريخ إسكندر أو توماهوك أو كانزال وغيرها.
يذكر أنه في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما كان أول استخدامات الطائرات المسيرة وحينها خرجت عناوين تتحدث عن حرب المسيرات بدل الحروب التقليدية، لكن أن نقول إنها أول حرب فهي ليست الأولى، العامل الأول هو ظهور الذكاء الاصطناعي إلى جانبها، ودخوله في منظومة المسيرات الحديثة.