hamburger
userProfile
scrollTop

"لغز" فلوريان فيرتز

إدارة نادي ريال مدريد الإسباني تدرس إبرام صفقة تبادلية مع ليفربول (رويترز)
إدارة نادي ريال مدريد الإسباني تدرس إبرام صفقة تبادلية مع ليفربول (رويترز)
verticalLine
fontSize

تحوّلت الانطلاقة المخيّبة للاعب الدولي الألماني فلوريان فيرتز مع فريق ليفربول الإنجليزي لكرة القدم، إلى "حديث الساعة" في بريطانيا.

متى يبصم على هدفه الأول؟ متى يعيش الدوري الممتاز واحدةً من تمريراته الحاسمة التي غزا بها القلوب نجماً في صفوف باير ليفركوزن الألماني؟

مردوده أفرز معسكرين: الأول يدعو إلى الصبر عليه، والثاني إلى التخلي عنه، مرحلياً على الأقل.

المدرب السابق لليفربول، مواطنه يورغن كلوب، وجّه رسالة قوية إلى مشجعي النادي عبر إحدى المنصات: "مستوى فيرتز مميز للغاية. النقاش مبالغ به. خسر ليفربول مباريات متتالية. بدا الأمر غير طبيعي. لذلك، تتم مناقشة مثل هذه الأمور في المدينة. كنت لفترة طويلة في خضم تلك المناقشات. لا شيء يثير اهتمام الناس هناك (في إنجلترا) مثل النقاشات العامة". تابع: "فيرتز موهبة لا تظهر إلا مرة واحدة في القرن. في مرحلة ما، سيثبت ذلك، كما فعل مع ليفركوزن".

مدرب المنتخب الألماني، يوليان ناغلسمان، دافع عن لاعبه بشدة: "حتى لو لم يسجل، يبقى هو من يصنع أكبر عدد من الفرص في الدوري الممتاز. ليس ذنبه إن لم يخلقها زملاؤه. الإحصائيات لا تقول حتى ثلث الحقيقة. عليه ببساطة أن يعتاد على الدوري. أثق بأنه يعرف ما هو قادر عليه وكيف تسير الأمور".

وأدلى "ناغي" بتصريح آخر ألقى فيه باللائمة على زملاء فيرتز، واتهمهم بالتسبب في تراجع مستواه، قائلاً إنّ عليهم استغلال الفرص التي يصنعها. تابع: "نعرف جميعاً ما هو قادر على فعله. من الطبيعي أن يمر لاعب في سنه بانخفاض في المستوى حيث لا يمكن أن نتوقع منه الأداء العالي نفسه لثلاث سنوات متتالية"، وختم: "علينا دعمه ليتمكن من تصفية ذهنه. ويُمكن للفريق أن يساعده عبر تسجيل بعض الفرص التي يصنعها. قد تكون فكرة جيدة لأنه لا يصنع فرصاً قليلة، لكن يبدو أن زملاءه لا يحبّذون تسديد الكرة في المرمى".

وكان فيرتز (22 عاماً) وصل إلى ليفربول، قادماً من ليفركوزن، في الصيف، بموجب صفقة ضخمة بلغت قيمتها 156 مليون دولار ليصبح ثاني أغلى لاعب في تاريخ النادي بعد السويدي ألكسندر إيزاك الذي لحق به قادماً من نيوكاسل الإنجليزي مقابل 165 مليوناً، إلا أن أرقامه جعلته محل نقاش واسع بين جماهير انقسمت بين مؤيدة له وأخرى مطالبة برأسه.

سياسة التعاقدات

في المقابل، وجّه النجم السابق لليفربول، روبي فاولر، سهام النقد نحو فيرتز، وإن بصورة غير مباشرة، عبر التهجم على سياسة تعاقدات النادي في الصيف حين كسر حاجز الإنفاق، فأصبح الأكثر بذخاً بين أندية الدوري.

فاولر رأى أن الإدارة ارتكبت "أكبر خطأ" بضم لاعبين لا يتناسبون وأسلوب المدرب الهولندي آرني سلوت، موضحاً أن إنفاق أكثر من 450 مليون جنيه إسترليني لم ينعكس إيجاباً على الأداء، وآخذاً على فيرتز وإيزاك عدم انسجامهما مع "المنظومة".

ثمة مراقبون يرون بأن المشكلة تكمن في سلوت الذي لم يُحسن توظيف فيرتز، فيما رجّح آخرون حاجة اللاعب لفترة أطول كي يتأقلم مع نسق الـ"بريميرليغ".

على الخط نفسه، تدرس إدارة نادي ريال مدريد الإسباني إبرام صفقة تبادلية مع ليفربول تشمل التنازل عن البرازيلي رودريغو الذي لا يحظى بثقة مدربه تشابي ألونسو، مقابل "خطف" فيرتز.

ورجّح اللاعب السابق لليفربول، الألماني ديتمار هامان، أن يتحوّل فلوريان إلى "مدريد" معاراً في "الانتقالات الشتوية" بالنظر إلى علاقته القوية بألونسو الذي دربه في ليفركوزن. وختم: "مباراة أو اثنتان قد تغيّران مسار حياته المهنية"، مشيداً بجرأته في اختيار ليفربول على حساب بايرن ميونيخ الألماني اللاهث خلفه.

حياة شخصية

قليلون تطرّقوا إلى مسألة التأقلم التي قد يعاني منها اللاعب، أي لاعب، لدى توقيعه مع نادٍ جديد. لا نتكلم هنا عن أمور فنية وتدريبات ومباريات وملاعب وزملاء فريق، بل عن حياة شخصية.

لاعبون عدة احتاجوا بعض الوقت لـ"إعادة التموضع" في بيئة جديدة مع أسرة وأطفال. كثيرون فشلوا في التجربة لأسباب بعيدة تماماً عن "العشب الأخضر".

يشدد الكاتب الإنجليزي، سايمون كوبر، في كتاب "سوكرنوميكس"، على اعتبار "إعادة التموضع" عملية جوهرية للاعب جديد يحتاج إلى من يساعده على الاستقرار والتأقلم مع حياة "مختلفة" تماماً، خصوصاً من هو قادم من قارة أخرى.

في العام 1961، ركب الأيرلندي الشمالي جورج بست وزميله إريك ماكموري القارب في بلفاست. عبرا البحر الويلزي باتجاه إنجلترا تمهيداً للانضمام إلى مانشستر يونايتد. بلغا مدينة ليفربول الشمالية، لكنهما لم يجدا أحداً في الانتظار. بحثا عن قطار حتى وصلا استاد "أولد ترافورد". في اليوم التالي، أبلغا النادي بقرار العودة إلى الديار في أول قارب.

بست تراجع ومنح "يونايتد" فرصة أخيرة، فيما قفل ماكموري عائداً إلى بلاده.

بست صنعاً مجداً بعدها مع "الشياطين الحمر".

من جهته، وصل الهولندي رود غوليت إلى تشلسي اللندني في 1996، فأنزلوه فندقاً قبيحاً على نحو ما كشف بعد سنوات، فيما بقي واين روني، المنتقل من إيفرتون إلى مانشستر يونايتد، مقابل 49 مليون دولار، ملازماً لأحد الفنادق قبل شراء منزل.

وعندما وصل "الشاب" الفرنسي نيكولا أنيلكا إلى ريال مدريد في 1999، كان يحتاج بالتأكيد إلى من يساعده على التأقلم. صرف "الملكي" 35 مليون دولار لضمه من أرسنال اللندني بيد أنه لم يدفع دولاراً واحداً لمساعدته على الاستقرار.

لم يتحدث اللاعب مع أحد ولم يتحدث إليه أحد. أفصح عن ذلك إلى مجلة "فرانس فوتبول" الفرنسية: "أنا وحيد في مواجهة بقية الفريق"، وادّعى بأنه كان يملك تسجيلاً مصوّراً يبيّن زملاءه مستائين بتسجيله الهدف الأول لريال مدريد بعد ستة أشهر له مع النادي. كشف بأنه حاول تمرير الفيديو إلى المدرب لكن الأخير رفض، فجرى إيقافه 45 يوماً.

العاجي ديدييه دروغبا التحق بتشلسي في 2004 قادماً من مرسيليا الفرنسي مقابل 44 مليون دولار، وكشف بعد سنوات بأن أحداً لم يساعده في لندن: "مدارس لأولادي؟ عرّفوني بمكتب عقارات. عشت مع أسرتي في فندق لأسابيع. كنت أبحث بعد التدريبات الطويلة عن مسكن حين لم أكن أتقن اللغة الإنجليزية".

أين العاطفة؟

منذ 2005، بات هناك أشخاص يعملون لمساعدة اللاعب على الاستقرار والتأقلم في المكان الجديد. هؤلاء لم يكن يجري تعيينهم من النادي، بل من وكيل أعمال اللاعب أو شركات راعية له.

الوكيل الراحل الهولندي-الإيطالي، مينو رايولا، اعتاد تعيين أشخاص لمساعدة موكله انطلاقاً من قناعته بأن ذلك يساعد على تأقلمه ويساهم في تحديد مدى نجاح أو فشل تجربته. حتى أن الإيطالي ماريو بالوتيللي اتصل به يوماً سائلاً عمّا يجب القيام به عندما كانت النيران تلتهم منزله.

وذكر رايولا بأن "العاطفة تدخل على الخط في إيطاليا لدى التعاطي مع لاعب جديد. سيحظى بمعاملة إنسانية محببة، مع دعوة إلى العشاء وسؤال عن الأولاد. في إنجلترا، التواصل يبقى في إطار علاقة العمل".

لم تكن الاستعانة بلاعب من أميركا الجنوبية محببة لدى أندية "الممتاز" لأنه يواجه صعوبة في التأقلم، مع حاجزَي اللغة والعادات.

في 2008، دفع مانشستر سيتي 55 مليون دولار لضم البرازيلي روبينيو. فشل اللاعب، فأعاده النادي إلى سانتوس بعد 18 شهراً. كان درساً قاسياً لـ"سيتي" الذي بدأ، في السنتين التاليتين، بضم عناصر مستقرة في إنجلترا.

بات لدى غالبية أندية الدوري الممتاز، اليوم، قسم عناية باللاعبين، بعض موظفيه بدوام كامل.

في "سيتي"، يأخذ القسم على عائقه الاهتمام بالوافد الجديد بغية إيجاد مربية للأطفال، وصولاً إلى الاهتمام بما تحب صديقة اللاعب.

في 2011، ضم "سيتي" نفسه، الأرجنتيني سيرخيو أغويرو مقابل 61 مليون دولار. هزّ الشباك مرتين في مباراته الأولى. أنهى الموسم الأول بـ30 هدفاً، من ضمنها هدف في الوقت القاتل أمام كوينز بارك رينجرز منح فريقه لقب الـ"بريمير ليغ" للمرة الأولى منذ 1968.

وقال رئيس قسم تحليل الأداء في النادي، غايفن فليغ: "الوقت الطبيعي الذي يستلزمه اللاعب للتأقلم هو حوالي سنة. في العادة، يبقى في الفندق خلال أول ثلاثة أشهر. لقد أمَّنا لأغويرو كل شيء. من المنزل إلى نظام سمعي إسباني في سيارته وغيرها خلال أسبوعين فقط".

وعندما وقّع البلجيكي كيفن دي بروين مع "سيتي" أيضاً، قادماً من فولفسبورغ الألماني في 2015، دار حوار بينه وبين وكيل أعماله، مواطنه باتريك دي كوستر، في الطائرة الخاصة التي أقلتهما إلى إنجلترا. قال كوستر: "كان الأمر أشبه بالفيلم. اعتقدنا بأنه سيكون أمامنا الكثير من العمل لإيجاد منزل وفتح حساب بنكي وشراء خط هاتف وسيارة. جرى تأمين كل شيء في ثلاث ساعات. ما رأيناه كان مستحيلاً".

لا شك في أن ليفربول أمّن كل مستلزمات تحقيق النجاح لفيرتز. مَن دفع فيه 156 مليوناً لن يبخل عليه بقليلٍ إضافيّ من العناية الشخصية. لكم من المسؤول عن فشل التجربة حتى الآن؟ الإدارة، المدرب، الزملاء، الجمهور، الإعلام، الضغوطات أو اللاعب نفسه؟

يصبح السؤال أكثر تعقيداً عندما تكون موهبة اللاعب "فاقعة".