ربما بعد طول انتظار.. وربما بعد طول قراءة وتدبّر.. وربما بعد عميق تحسّس لأسئلة حارقة تتفاعل داخل الرأي العام التونسي على مدى السنوات المنقضية. المهم أنّ الخبر اليقين قد أفصح عن مكنونه ذات 30 سبتمبر 2026.. حيث صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، ما يؤكد تعديل المرسوم 54 الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، بخصوص مناخات الرأي والتعبير. وتعديل المرسوم.. حيث الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بخصوص الصلح الجزائي أو المصالحة الاقتصادية بالتعبير الأشمل والأدق.. تبدو المسألة كما لو كانت نقطة ضوء كفيلة بتبديد هواجس فعلية بدأت تلحّ على مكونات الساحة الوطنية، فالمرسوم 54 المتعلق أساسا بردع مفتعلي الأخبار الكاذبة ومزوري الوثائق وهاتكي الأعراض، قد تحوّل ميدانيا إلى فخ للصحفيين والمشتغلين في مجال الرأي، بإقراره أحكاما سجنية ثقيلة يتقاسمها الحابل مع النابل، وصاحب الرأي مع مدون الصدفة العمياء، والمنتقد مع المتحامل والمتحايل على قدسية الخبر. وصلت الانتقادات تباعا إلى الجهات المسؤولة بدءا برئاسة الجمهورية وصولا إلى الهياكل الحكومية ذات الصلة بالموضوع، ويبدو، بل يتأكد أنّ الصدى كان كفيلا باستنهاض خطوة جريئة بعد صدور رسمي لمرسوم جديد معدل، تم فيه حذف العقوبات السجنية المضمّنة بالفصل 24 من المرسوم 54، والمتراوحة بين 5 و10 سنوات سجنا، والاكتفاء بخطايا مالية بين 10 و20 ألف دينار، مع إقرار 6 أشهر سجنا وخطية مالية أكبر في صورة العَود، أي تكرار الفعل.
بارقة أمل لتحرير الأفكار والأقلام
إنها فعلا بارقة أمل في تجاوز غيوم تلبدت صلب المشهد العام، بل وأنتجت بغموضها سرديات تشاؤمية، لأنها أثرت بشكل أو بآخر في سير الأحداث الإعلامية والسياسية، رغم أنّ الهدف الأساسي من وراء إصدار المرسوم، هو ردع سلوك انحرافي يستهدف الإضرار بالأشخاص والهيئات، عبر نشر الشائعات والأكاذيب.. إنها فعلا بارقة أمل لتحرير الأفكار والأقلام مقابل الإبقاء على عنصر الردع بالخطايا المالية لمن يتجاسر على الإضرار بالغير عبر وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي.. وهي فعلا بارقة أمل حرّكت في المشهد التونسي تطلّعًا بمبادرات عفو عمن شملتهم عقوبات سالبة للحرية بموجب هذا المرسوم. أما في ما يتعلق بالمرسوم عدد 2 لسنة 2026 المتصل بتعديل المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المتعلق بالصلح الجزائي، فيمكن القول إنه حدث وطني بامتياز. فعلاوة على كونه تعديلا ثانيا للمرسوم تلا تعديل يناير 2024، بما يعني القناعة الثابتة بتطويع القوانين للأهداف الوطنية، فإنه حمل أفقا لتخفيف الإجراءات، بغرض تركيز المعنى الحقيقي للعدالة التصالحية المنزّهة عن كل نوازع التشفي والانتقام، وهي العدالة التي كانت الفكرة الأساس والجوهر لمرسوم 2022، وفتحت أمام رجال الأعمال المشمولين بالقرار، فرصة تصفية الوضعية القانونية نهائيا، بعد أن كانوا رهينة ابتزاز المتحاصصين على السلطة زمن حكم جماعة "الإخوان".. وللتذكير فإنّ الصلح الجزائي في نصه الجديد، يوفر لطالبي الصلح فرصة إرجاع الأموال المستولى عليها لخزينة الدولة، بدفع نصف المبلغ مع إمهال يصل إلى سنتين للمبلغ المتبقي، بعد أن كان لا يتجاوز 6 أشهر، هذا إضافة لمنح لجنة الصلح الجزائي المعينة من رئاسة الجمهورية، صلاحية التخفيض في المبلغ إذا ما وُجد موجب حقيقي لذلك.
وهو ما يعني توفير مناخ ملائم وإجراءات مرنة لمن له صعوبات فعلية في الإيفاء بالمبلغ كاملا.. وخلاصة القول إنّ مقدمات بدأت تلوح فعلا لتبديد الصعوبات، متأتيةً عن أعلى مستويات القرار، وهي مقدمات تنتظر على الأرجح تفاعلا إيجابيا داخل الساحة الوطنية، وعلى الأخص في صفوف من تسامت أنفسهم عن التفاصيل العرضية لصالح المسائل الجوهرية. فبقدر ما يتم استقراء الموقف الرسمي كبادرة إصلاح وتصويب، بقدر ما يتم انتظار مواقف وطنية متفاعلة مع انتظارات التونسيين داخل النسيج السياسي والمدني، وداخل أوساط رجال الأعمال المشمولين بمبادرة المصالحة الاقتصادية. فالإطار الوطني يظل الحاضن الوحيد لكل اتفاق واختلاف.. وكل ما عدا ذلك فهو هوامش لا يُعتدّ بها. أو هي تُحفظ. ولا يقاس عليها.



