hamburger
userProfile
scrollTop

حرب إيران ظاهرها نووي وباطنها الصين

الصين تستورد أكثر من نصف حجاتها النفطية من الشرق الأوسط (رويترز)
الصين تستورد أكثر من نصف حجاتها النفطية من الشرق الأوسط (رويترز)
verticalLine
fontSize

للحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أهداف معلنة، وهي أسلحة نووية، وصواريخ باليستية، ومسيّرات، وأذرع إيران في المنطقة، هذا ما يقوله كلٌّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو. طبعًا ومن منظور إسرائيلي، وإذا نظرنا بواقعية وعقلانية تصب هذه الأهداف في مصلحة الأمن القومي الإسرائيلي، أما من المنظور الأميركي فالأهداف طبعا مختلفة.

الاحتضان الصيني لإيران 

الواقعية هنا تُحكم علينا أن ننظر من العيون والعقل والإستراتيجية الأميركية، وليس الإسرائيلية أو حتى الإعلام. فامتلاك إيران سلاح نووي هو عبء على العالم كله والمنطقة، بما فيها الصين وروسيا والهند وباكستان، وكذلك يشكل امتلاك إيران سلاحًا نوويًا خطرًا على إسرائيل ودول الشرق الأوسط، لأنها ستغير موازين القوة والرعب في المنطقة.

أما من المنظور الأميركي فهذا خطر وعلى العالم أجمع كبح الجموح الإيراني نحو امتلاك أسلحة نووية. أما الصواريخ الباليستية والمسيّرات، فهي لا تشكل أيّ خطر على أميركا، لأنها لن تصل إلى أراضيها أصلًا. أما أذرع إيران فهي أيضًا في أسفل سلّم الخطر الإستراتيجي والأمني على اميركا، التي طالما تحاورت معها فوق الطاولة أو تحتها. ولكن لماذا حشدت أميركا هذا الحشد العسكري الضخم غير المسبوق في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية، الجواب وبكل بساطة.. الصين.

فالخريطة التي تقرأ بها واشنطن العالم اليوم مختلفة عن السابق. فاليوم تقرأ بعيون وعقل بكين، وخصوصًا حين أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ، مبادرة الحزام والطريق belt and road initiative BRI عام 2013، والتي باتت تُقرأ أميركا جيوسياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، كأحد منافسي هيمنتها الشرسة على العالم.

فعندما أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق، خصصت لها استثمارات بحجم تريليون دولار على شكل توسيع البنى التحتية من خطوط سكك الحديد ومطارات وموانئ وطرقات، واستثمارات أخرى للدول التي أبدت استعدادها للانخراط في هذا المشروع الضخم. هناك توقعات بأن يرتفع هذا الرقم إلى ما بين 4 و5 تريليونات دولار على المدى البعيد، لتجمع في مشروعها جميع بقاع الأرض.

للأرقام لعبة خاصة ومعقدة هنا، فحجم اقتصاد اميركا لعام 2025 بحسب البنك الدولي، بلغ ما يقارب 32 تريليون دولار، يليها الاتحاد الأوروبي بـ 20 تريليون دولار، والصين بـ19 تريليون. فهذه الأرقام جعلت من سوق الاتحاد الأوروبي القوة الأكثر جذبًا لكلٍّ من أميركا والصين. فمبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى إنشاء خط سكك حديدية تربط الصين بأوروبا، تقلص مدة نقل البضائع عبر البحر من 25 أو 40 يومًا إلى مدة اقصاها 18 يومًا. ولهذه الطريق مدخلان أساسيان إلى أوروبا من روسيا ومن إيران. فالطريق التي تمر من روسيا قد أوقِفت بسبب الحرب على أوكرانيا والعقوبات الأوروبية على روسيا، أما الطريق عبر طهران فتشكل جوهر الصراع الحالي والتي أُقفلت اليوم بسبب الحرب.

تشكل إيران اليوم العصب الأساسي والمحوري في الممر الصيني الشرق أوسطي للمبادرة الصينية، إذ تعمل جسرًا بريًا يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. ولتحقيق أهدافها وقّعت الصين وإيران اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة لمدة 25 عامًا في مارس 2021، والتي تعهّدت فيها الصين بضخ 400 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني، توزعت بين 280 مليار دولار لتطوير قطاعَي النفط والغاز، و120 مليار دولار لتحديث البنية التحتية للنقل والتصنيع. هذا الاحتضان الصيني الضخم لإيران، يشكل أحد ابرز أسباب الحرب بين واشطن وطهران من منظورها الجيوسياسي.

الصين تشتري 90% من النفط الإيراني

وعلى الرغم من استثمار الصين ما يقارب 90 مليار في دولار في المنشأت النفطية في العديد من دول الشرق الأوسط، غير أنّ الحرب الدائرة وإغلاق مضيق هرمز، يضعان هذه الاستثمارات في مهب الريح، بحيث يُصدّر إلى الدول الآسيوية ما يقارب 80% من حاجتها النفطية عبر مضيق هرمز. أما الصين فتستورد أكثر من نصف حاجاتها النفطية من الشرق الأوسط، وهذا ما يضع الصين تحت ضغط إستراتيجي كبير، لاعتمادها على الطاقة الأساسية لنمو اقتصادها من منطقة تسيطر عليها وعلى مضيقها الحيوي البحرية الأميركية منذ عقود. وعلى الرغم من توافر البدائل لشحن النفط عبر البر الإيراني إلى الصين، يمكن من خلاله أن تتحاشى الصين أحد أهم نقطة في الاختناق البحري، إلا أنّ أميركا أدركت جيدًا هذه المعادلة، وهذا ما قد يبرر جزءًا من رؤية أميركا لحرب إيران. 

لذلك تنظر أميركا إلى الجهود الصينية في بناء الروابط الاقتصادية والسياسية والبنية التحتية مع إيران، ومنها إلى أوروبا، من خلال مبادرة الحزام والطريق، باعتبارها إحدى أهم أدواتها السلمية للضغط على أميركا، واستبدال نفوذها الإقليمي القوي هناك بالنفوذ الصيني. لذلك تبدو العقوبات الأميركية على إيران سيفًا ذا حدين، من جهة موجه ضد إيران مباشرة، ومن جهة موجهًا ضد مشاريع الصين التوسعية، ولكن بطريقة غير مباشرة.

أما البعد المالي للمواجهة مع الصين من خلال إيران فهو أعمق وأشرس، بحيث تتم أكثر من 80%؜ من معاملات شراء النفط عالميًا في الدولار الأميركي. لذلك تسعى كل من الصين وروسيا ومعها إيران إلى تجاوز الهيمنة الأميركية واستبدالها بعملاتها المحلية، لسداد مدفوعاتها النفطية، وهذا ما تعتبره أميركا تحديًا مباشرًا لنمو واستقرار اقتصادها  وبمنظومة النفوذ الدولي المالي التي تسيطر عليها. علمًا أنّ الصين وحدها تشتري ما يقارب 90% من النفط الإيراني.

لذلك فإنّ الصراع الأميركي الإيراني ليس معزولًا عن السياق الجيوسياسي للتنافس الدولي. ففي أروقة السياسة الأميركية وإستراتيجيتها، أصبحت الصين وما تشكله، الخطر الحقيقي والفعلي على أميركا ومصالحها في العالم  من قناة بناما إلى فنزويلا وإفريقيا، والشرق الاوسط وآسيا، مرورًا بإيران. ففي ظل تغيير في النظام الدولي واشتداد حدة الأزمات والصراعات والتحديات، تبقى إيران وجغرافيتها وثروتها الطبيعية أحد أهم أحجار الشطرنج في رسم سياسات العالم الحديث المليء بتحديات الذكاء الاصطناعي، وحرب الموارد والضغط على المعادن النادرة في المحيطين المتجمد الشمالي والجنوبي وفي باطن الأرض وحتى في الفضاء.. وإلى أن ترسو موازين القوة الجديدة في العالم على نظام عالمي جديد، علينا أن نتمنى أن لا تكون بلداننا ممرًا أو جزءًا من مبادرة الحزام والطريق الصيني.