لا يكاد يمضي يومًا دون أن ينتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حلف شمال الأطلسي. ومع انطلاق حرب إيران وتلكؤ الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف عن دعم أميركا، وخصوصًا بعد أزمة مضيق باب هرمز، زادت انتقادات ترامب للحلف والدول الأوروبية الأعضاء بحدةٍ وشراسةٍ إلى حدٍّ وصفه حلف شمال الأطلسي بـ"النمر الورقي" دون وجود أميركا كركيزةٍ أساسيةٍ فيه. زد على ذلك شن ترامب هجومًا عنيفًا في تغريدة تكلم فيها عن مضيق باب هرمز موجهًا انتقاداته للدول الأوروبية بما حرفيته "سيتعين عليكم التعلم كيف تدافعون عن أنفسكم، الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتكم بعد الآن".
"بوتين يخشى أميركا وليس أوروبا"
انتقادات ترامب للحلف ليست بجديدة، فخلال ولايته الأولى عمد إلى انتقاد الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو من باب عدم سدادهم المستحقات المالية العادلة من أجل حمايتهم. فجميع الدول الأوروبية لم تلتزم فعليا بهدف الناتو المتمثل في 2% من الناتج المحلي لهذه الدول مع بعض الاستثناء (المملكة المتحدة واليونان)، ولكن بعد ضغط ترامب رفعت كل الدول الأوروبية من حصىتها للمعدل المتفق عليه باستثناء إسبانيا.
اعتبر أيضاً ترامب خلال ولايته الأولى أن أوروبا تستغل أميركا باعتمادها كليا في أمنها الإستراتيجي على الولايات المتحدة، وهذا ما وضع قدراتها العسكرية والنووية والاستخباراتية في تصرف الدول الأوروبية عن غير وجه حق ومن دون كلفة مالية. ترامب كان على قناعة أن الدول الأوروبية استنفزت إلى حدّ ما جزءًا من القدرات العسكرية الإستراتيجية الأميركية دون أن تحصل أميركا على شيء بالمقابل. ويعتبر ترامب أن الدول الأوروبية قادرة أو يجب أن تكون قادرة على حماية نفسها بنفسها، وأن تخصص ميزانية خاصة بها لأن أميركا لديها التزامات أخرى عالميا.
ويعتبر ترامب أن سياسات الحرب الباردة انتهت، وانتهى معها العداء الإستراتيجي لروسيا لأن روسيا اليوم أصبحت ضعيفةً، ولا تشكل خطرًا عسكريًّا او اقتصاديًّا أو إستراتيجيًّا على أميركا. ترامب ينظر إلى روسيا من منظار أميركي لا منظار حلف شمال الأطلسي أو أوروبي تحديدا. ولكن في الجهة المقابلة، يعتبر الرئيس الأميركي أن الخطر الفعلي على أوروبا ودولها الأعضاء في الحلف هو من حديقتها الخلفية روسية، لأنها عاجلا أم آجلاً ستتمدّد نحوهم. ففي أحد مؤتمراته الصحفية عبر عن ذلك بوضوح حين قال إن "بوتين يخشى أميركا، ولكنه لا يخشى أوروبا".
غرينلاند أهم إستراتيجيا لأميركا من أوروبا
ضف على ذلك، يعتبر ترامب أن جزيرة غرينلاند هي أقرب جغرافيا إلى أميركا من أوروبا، وتمتلك موارد طبيعية ضخمة خصوصًا المعادن النادرة التي هي جوهر احتياجات أميركا في الصناعات العسكرية المتطورة والذكاء الاصطناعي. ويعتبر أيضاً أن موقعها جيوسياسي بامتياز وضرورة إستراتيجية لأميركا؛ بسبب تغييرات المناخ وذوبان الجليد الذي سيفتح طرق تجارة جديدة من آسيا إلى أوروبا وأميركا أقصر وأقل كلفة وأكثر أماناً من طريق البحرين الأحمر والمتوسط. استحواذ ترامب لغرينلاند أمر لا مفر منه حتى ولو على حساب حلفاء واشنطن التقليديين. فغرينلاند أهم إستراتيجيا لأميركا من أوروبا وحتى من حلف شمال الأطلسي العاجز عن حماية الجزيرة عسكريا من دون أميركا في حال قررت روسيا أم الصين الاحتلالها والاستحواذ عليها.
ما عمق الهوة وصدع أسس حلف شمال الأطلسي هي الحرب القائمة على إيران ورفض الدول الأوروبية في الحلف في الانخراط في الحرب دعما لأميركا أو حتى من أجل مساعدتها على فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط عن أسعار النفط المرتفعة عالميا. ترامب اعتبر أن الأوروبيين خذلوه وتركوه وحيدا في مواجهة أزمة جيوسياسية عسكرية أمنية أطاحت بخطوط التوريد التقليدية. الأوروبيون من جهتهم اعتبروا أن هذه ليست حربهم وأهداف أميركا وإسرائيل لا تعنيهم ولا تمس بأمنهم الإستراتيجي تحديدا، وهم أصلا غير قادرين على التحاق بالآلة العسكرية الأميركية.
لطالما أراد الرئيس الاميركي الإطاحة بقوانين اللعبة الجيوسياسة القديمة وخصوصا مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ترامب وإدارته تعلم جيدا أن الخطر الإستراتيجي القادم على أميركا هو الصين وليس من روسيا. وهو يعلم أيضا أن عقيدة حلف شمال الأطلسي التي بنيت منذ ما يقرب من 80 عاما وجميع مبررات وجود هذا الحلف قد انتهت إلى غير رجعة.
العالم القديم قد انتهى
ومع بدء تغيير موازين القوة في العالم بادرت أميركا إلى تغيير قواعد اللعبة عالميا والتي كانت تميل إلى ضفة الصين وحلفائها، حيث استعادت السيطرة غير المباشرة على قناة بنما، ومن ثم فنزويلا وباقي دول أميركا اللاتينية، مرورا بنيجيريا وصولا إلى ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط وتغيير موازين القوة هناك. تحاول أميركا السيطرة على النفط والغاز والموارد والمعادن النادرة والممرات المائية وطرق سلسلة التوريد العالمية بحيث تعتبر المعركة الحالية أكبر بكثير من حلف شمال الأطلسي وأمن أوروبا.
وفي كل هذا المشهد، أوروبا غائبة كليا، بل تفاوض ترامب على بقاء غرينلاند تحت سيطرتها من جهة، وتتحدى سياساته في غزة وإيران ولبنان وغيرها من جهة أخرى. وفي الوقت عينه تحاول أوروبا إنعاش ما تبقى من الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان التي نسفتها الإدارة الأميركية الحالية، لعلها تُبقي شيئا من إرثها وحضورها العالمي. فترامب يعتمد السياسة الواقعية في العلاقات الدولية بحيث إن الدول تتحرك وفق مصالحها وأولويتها ولا تتعلق بالأحلاف ولا الحلفاء ولا القيم المشتركة التي تربطه بالدول الأوروبية أو حلف شمال الأطلسي. بكل بساطة الإمبراطوريات التي لا تتأقلم مع المتغيرات تنتهي وتندثر.. وهذا ما يحاول ترامب إنقاذه.
يتغير النظام العالمي بسرعة فائقة، وتتغير معه موازين القوة في العالم بشكل دراماتيكي. فالعالم القديم قد انتهى بجميع مفاعيله، وعلى ما يبدو قلة قليلة من الدول قد أدركت هذا المتغير الكبير التي نعيشه. ما كنا نعرفه عن العالم القديم رغم قساوته قد انتهى، وعلى ما يبدو فإن العالم القادم سيكون أكثر عنفاً ودموياً ومن المؤكد دون حلف شمال الأطلسي.