hamburger
userProfile
scrollTop

إيران من تصدير الثورة إلى هزيمتها.. "حزب الله" نموذجًا

إيران استغلت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 لتؤسس نواة تنظيم عقائدي (رويترز)
إيران استغلت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 لتؤسس نواة تنظيم عقائدي (رويترز)
verticalLine
fontSize

منذ بدء مرحلة الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تبنّت القيادة الإيرانية مشروعًا أيديولوجيًا وسياسيًا عابرًا للحدود، قائمًا على مفهوم "تصدير الثورة"، باعتباره جزءًا من هوية النظام الجديد وإحدى أدوات تثبيت نفوذه الإقليمي. ولم يكن لبنان بعيدًا عن هذا المشروع، بل تحوّل إلى الساحة الأكثر حساسية والأكثر تأثيرًا بالنسبة إلى طهران، عبر تأسيس "حزب الله" ودعمه على كل المستويات، والذي أصبح لاحقًا الذراع العسكرية والسياسية الأبرز لإيران في المنطقة.


غير أنّ المسار الذي بدأ تحت شعار "المقاومة والتحرير" انتهى، بعد عقود، إلى أزمة لبنانية داخلية خانقة، وتراجعٍ في صورة الحزب، وصولًا إلى اعتبار كثيرين أنّ ما هُزم في لبنان لم يكن "حزب الله" وحده، بل مشروع الثورة الإيرانية نفسه.

بداية "حزب الله" العقائدية

في مطلع الثمانينيات، استغلّت إيران ظروف الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والانقسام الداخلي اللبناني، لتؤسس نواة تنظيم عقائدي مرتبط مباشرة بولاية الفقيه. أرسلت طهران عناصر من الحرس الثوري إلى البقاع اللبناني، حيث بدأت عمليات التدريب والتسليح والتنظيم. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد "حزب الله" مجرد حركة لبنانية محلية، بل جزء عضوي من الإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط.

اعتمدت إيران في مشروعها اللبناني على 3 ركائز أساسية: العقيدة الدينية، والسلاح، والخدمات الاجتماعية. فقدّم الحزب نفسه كحركة مقاومة ضد "الاحتلال الإسرائيلي"، وفي الوقت نفسه بنى شبكة مؤسسات تربوية وصحية وخدماتية عززت حضوره داخل البيئة الشيعية. ومع مرور السنوات، أصبح الحزب قوة عسكرية تفوق قدرة الدولة اللبنانية نفسها، فيما تحوّل ولاؤه العقائدي والسياسي إلى طهران أكثر من ارتباطه بالدولة اللبنانية.

حقّق "حزب الله" مكاسب كبيرة في بداياته، أبرزها انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وهو الحدث الذي اعتُبر آنذاك "انتصارًا تاريخيًا للمقاومة ولإيران" معًا، علمًا أن الوقائع التاريخية المثبتة تؤكد أن ما حصل هو انسحاب إسرائيلي محدد قبل 6 أشهر، وليس عملية "تحرير"، غير أنّ هذا "الإنجاز" حمل في داخله بذور التحوّل اللاحق؛ إذ انتقل الحزب تدريجيا من حركة مقاومة ضد الاحتلال إلى قوة إقليمية تخوض حروبًا تتجاوز الحدود اللبنانية. ومع توسّع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، أصبح "حزب الله" جزءًا من "محور إقليمي" تقوده طهران، لا مجرد فصيل لبناني يدافع عن أرضه.

شكّلت حرب يوليو 2006 نقطة مفصلية في صورة الحزب. فعلى الرغم من أن الحزب أعلن "النصر الإلهي"، فإن الحرب خلّفت دمارًا واسعًا في لبنان، وأثارت تساؤلات داخلية حول قرار الحرب والسلم. ومنذ ذلك الحين، بدأ جزء من اللبنانيين يرى أن الحزب يحتكر قرار الدولة، ويورّط لبنان في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية. لكن التحوّل الأكبر جاء مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين قرر "حزب الله" التدخل العسكري إلى جانب نظام بشار الأسد، تنفيذًا للرؤية الإيرانية الهادفة إلى حماية حليفها الإستراتيجي في دمشق.

كان التدخل في سوريا لحظة سقوط معنوي كبيرة للحزب. فالحزب الذي رفع شعار "المقاومة" ضد إسرائيل، وجد نفسه يقاتل داخل المدن السورية ضد معارضين عرب ومسلمين. هنا، تراجعت صورة الحزب عربيًا بشكل غير مسبوق، وبدأت الهوة تتسع بينه وبين قطاعات واسعة من الرأي العام العربي واللبناني. كما تعمّقت الانقسامات الداخلية اللبنانية، وازداد الشعور بأن الحزب لم يعد مشروعًا لبنانيًا،( وهو لم يكن اصلًا) بل أداة إيرانية صريحة.

في المقابل، لم تستطع إيران تحويل نفوذها في لبنان إلى استقرار سياسي أو اقتصادي. فعلى الرغم من سيطرة "حزب الله" على القرار الأمني والعسكري، دخل لبنان في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه منذ عام 2019. انهارت العملة الوطنية، وتفككت مؤسسات الدولة، وارتفعت معدلات الفقر والهجرة، بينما كان الحزب عاجزًا عن تقديم نموذج حكم فعّال أو حماية البلاد من الانهيار. بل إن معظم اللبنانيين حمّلوه مسؤولية العزلة العربية والدولية التي أصابت لبنان؛ بسبب ارتباطه بالمشروع الإيراني.

ثم جاءت المواجهة الأخيرة مع إسرائيل بعد أحداث غزة عام 2023 لتكشف حجم المأزق. فتح "حزب الله" جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان "إسناد غزة" لكن النتيجة كانت دمارًا واسعًا في القرى الجنوبية، ونزوح عشرات الآلاف من اللبنانيين، وخسائر بشرية ومادية كبيرة، من دون تحقيق تغيير إستراتيجي واضح. ومع تصاعد الضربات الإسرائيلية واستهداف قيادات بارزة في الحزب، بدأت صورة "الردع" التي بناها الحزب لعقود تتآكل تدريجيًا.

"حزب الله" ورقة ردع ضد إسرائيل

في هذه المرحلة، بدا أن إيران نفسها تواجه هزيمة سياسية ومعنوية في لبنان. فالمشروع الذي رُوّج له باعتباره "حماية للمستضعفين"و"محور مقاومة" انتهى إلى دولة منهكة، ومجتمع منقسم، وحزب يواجه انتقادات داخل بيئته الحاضنة قبل خصومه. حتى داخل الشارع الشيعي اللبناني، بدأت ترتفع أصوات تتساءل عن جدوى استمرار ربط مصير لبنان بصراعات إيران الإقليمية.

إضافة إلى ذلك، فإن إيران التي استخدمت "حزب الله" كورقة ردع ضد إسرائيل، اكتشفت أن ميزان القوى الإقليمي والدولي أكثر تعقيدًا مما تصوّرت. فإسرائيل، رغم الضربات التي تلقتها، ما زالت قادرة على فرض معادلات عسكرية قاسية، فيما تتعرض إيران نفسها لعقوبات وضغوط اقتصادية هائلة تحدّ من قدرتها على تمويل حلفائها كما في السابق. ومع كل مواجهة جديدة، يدفع لبنان الثمن الأكبر، سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا.

إنّ الحديث عن "هزيمة الثورة" لا يعني بالضرورة سقوط النظام الإيراني أو انتهاء نفوذ "حزب الله" بالكامل، بل يشير إلى تراجع جاذبية المشروع الإيراني وفشل شعاراته الكبرى في تحقيق الاستقرار والتنمية والكرامة للشعوب التي دخلت ضمن نفوذه. ففي لبنان، تحوّل السلاح من أداة تحرير إلى عنصر انقسام داخلي، وتحولت "المقاومة" من رمز وطني جامع إلى مشروع محل نزاع حاد بين اللبنانيين.

لقد نجحت إيران لعقود في تصدير نفوذها إلى لبنان، لكنها فشلت في بناء نموذج قابل للحياة. فالقوة العسكرية وحدها لا تصنع شرعية دائمة، والمشاريع العقائدية التي تتجاوز حدود الدول غالبًا ما تصطدم في النهاية بواقع المجتمعات ومصالح الشعوب. واليوم، يقف لبنان أمام سؤال مصيري: هل يستطيع استعادة دولته بعيدًا عن صراعات المحاور، أم سيبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟

في المحصلة، يبدو أن "حزب الله" الذي كان أبرز أدوات "تصدير الثورة" الإيرانية، أصبح أيضًا أبرز شواهد تعثّرها. فبين بدايات الصعود تحت شعار المقاومة، وواقع الأزمات والحروب والانقسامات، تتكشف تدريجيًا حدود المشروع الإيراني في لبنان، وفي المنطقة بأسرها.