لم يعد السؤال المطروح في واشنطن ولا في تل أبيب ولا في طهران، ما إذا كانت المواجهة قادمة، بل كيف ستُدار؟ وبأي تسلسل؟ وبأي ثمن؟
"حزب الله" هو حجر الزاوية
عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعادت السياسة الأميركية إلى منطقها الصارم: الضغط الأقصى، التهديد الصريح، والصفقة القاسية، في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط مجددًا مسرح اختبار: هل تُضرب إيران مباشرة، أي "الرأس"، أم يبدأ الضرب من "الذراع" الأقوى، "حزب الله"؟
هذا السؤال ليس عسكريًا فقط، بل سياسي إستراتيجي بامتياز، لأن ترتيب الضربات يحدد شكل المنطقة لسنوات، وربما لعقود، فواشنطن لا تبحث عن حرب بل عما يشبه الإذعان، الولايات المتحدة لا تُخفي أهدافها، هي لا تريد احتلال إيران، ولا إسقاط نظامها بالقوة، لكنها تريد تغيير سلوكها جذريًا، ترامب لا يؤمن بالاحتواء الطويل ولا بالاتفاقات الرمادية، يريد نتائج قابلة للقياس، وانتصارا يمكن تسويقه في داخل الولايات المتحدة.
من هنا، الحرب ليست هدفا، بل أداة تفاوض، والضربة ليست غاية، بل وسيلة لفرض شروط. هذا ما يجعل الخيار العسكري حاضرا دائما، لكنه مؤجَّل إلى اللحظة التي تفشل فيها كل أدوات الضغط الأخرى.
إيران بنت إستراتيجيتها منذ عقود على قاعدة واحدة: إبعاد النار عن الداخل، ونقلها إلى الأطراف. لذلك أنشأت شبكة أذرع إقليمية، ليس بدافع أيديولوجي فقط، بل كحزام أمان. "حزب الله" هو حجر الزاوية لهذا الحزام، فهو الأكثر تنظيما، والأكثر تسليحا، والأكثر قدرة على الردع.
الضربة المباشرة لإيران تبقى الخيار الأخطر
لكن هذه العقيدة تحمل تناقضا قاتلا، فكلما تعاظمت قوة الأذرع، ازداد احتمال أن تتحول من أدوات حماية إلى أهداف جاهزة ومكشوفة، وما كان يُفترض أن يمنع الحرب، قد يصبح ذريعة لها.
ففي الحسابات الأميركية الإسرائيلية، يبدو ضرب "حزب الله" خيارًا واقعيًا، كلفة أقل من ضرب إيران، مساحة عمليات أوضح، وإمكان تسويق الضربة كعمل دفاعي، لكن هذا "المنطق" يتجاهل حقيقة واحدة وهي أن "حزب الله" ليس تفصيلا عسكريا معزولا، بل جزء من توازن إقليمي دقيق، فأي ضربة واسعة عليه تعني ربما: تفجير الساحة اللبنانية، شلّ شرق المتوسط، وفتح أبواب الرد من ساحات متعددة. بكلام أوضح، إن ضرب الذراع قد يستدرج الرأس من دون أن يعزله.
ضرب الرأس هو خيار الردع الأخير، فالضربة المباشرة لإيران تبقى الخيار الأخطر. فهي قد لا تنهي البرنامج النووي نهائيا، وقد توحّد الداخل الإيراني بدل إضعافه،
وقد تفتح حربا إقليمية لا يمكن ضبط حدودها.
لذلك، يبقى هذا الخيار سيفا مشهورا لا يُستخدم إلا عند بلوغ إيران عتبة لا يمكن التراجع عنها، أو عند ارتكابها خطأ إستراتيجيا فادحا.
تبقى التسوية التي لا يريد أحد الاعتراف بها، فبين ضرب الرأس وضرب الذراع، هناك طريق ثالثة وهي ما يمكن تسميته "التسوية القسرية". ليست تسوية شراكة، بل تسوية إذعان نسبي. وهنا يدخل ترامب إلى المشهد كلاعب يجيد فن الصفقات لا الدبلوماسي التقليدي. ترامب يريد ثمنا، لا وعودا، والثمن الذي يطلبه هو، قيود حقيقية على النووي الإيراني، ضبط صارم للصواريخ الباليستية، تقليص النفوذ الإقليمي من خلال التخلي عن الأذرع، والتعهد بأمن إسرائيل.
السؤال الجوهري ليس ما الذي يريده ترامب، بل ما تستطيع إيران تقديمه من دون أن تنكسر؟ المشكلة أن أوراق قوة إيران هي نفسها نقاط ضعفها التفاوضية. نفوذها في لبنان والعراق واليمن هو ما يحميها، لكنه أيضا ما يضعها في مرمى الاستهداف. إن أي تنازل كبير يعني: إضعاف شبكة الردع، اهتزاز التوازن الداخلي، وإعادة إيران إلى حدودها الجغرافية فقط.
من سيصرخ أولا؟
وهذا ثمن باهظ لنظام قام على "التوسع الدفاعي". لبنان، في هذه المعمعة هو الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر، فهو ليس مجرد ساحة جانبية. هو "نقطة التقاطع" بين الضربة والتسوية. سلاح "حزب الله" هو الورقة الأثقل في يد طهران، لكنه أيضا العبء الأكبر على الدولة اللبنانية. أي صفقة أميركية، إيرانية جدية يعلل الحزب نفسه بأن تمر عبر دور له حزب، وموقعه داخل الدولة.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية: أن يكون البلد ساحة تفاوض بالنار لا طاولة تفاوض سياسية.
في هذه الحال، مَن يسبق مَن؟
الوقائع تشير إلى أن واشنطن تفضّل: الضغط قبل الضرب، وضرب الذراع قبل الرأس، وانتزاع تنازلات قبل إشعال حرب.
لكن الوقت ليس مفتوحا. وكلما اقتربت إيران من العتبة النووية، تقلّص هامش المناورة. وكلما اشتد حضور الأذرع، ازدادت احتمالات استهدافها.
في النهاية، ليس السؤال من سيُضرب أولًا، بل: من سيصرخ أولا تحت وطأة الكلفة؟
ترامب لا يلوّح بالحرب عبثا، وإيران لا تناور بلا خوف. المنطقة تقف على حافة "صفقة قاسية أو مواجهة مكلفة". وإذا كان التاريخ القريب يعلّمنا شيئا، فهو أن من لا يدفع ثمن التسوية في الوقت المناسب، سيدفع كلفة الحرب مضاعفة.
في لعبة ضرب الرأس أو الذراع، الجميع خاسر، لكن بعض الخسائر تكون قاتلة.