في العلن وعلى الإعلام، لا تريد إيران التفاوض. في الغرف المغلقة يتصافح نائب الرئيس الاميركي جيه دي فانس مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في لحظة وصفها من سرّب الخبر بالودّية والسلميّة. فعلى مدى عقود اتقنت إيران سياسة التفاوض، إما على طريقة البازار أو على طريقة النخر باستعمال الإبرة، ما أكسبها تقنيات فن التوازن على حافة الهاوية.
فإيران امتهنت التفاوض واحترفته فوق الطاولة وتحتها، وخصوصًا مع عدوها اللدود أميركا، بحيث كانت تتقدم حين يتراجع الخصم، وتتراجع حين يشتد الضغط عليها، من دون التخلي عن ثوابتها الإستراتيجية. أما اليوم فالمشهد مختلف كليًا، أُسقطت إيران في الهاوية، لأنّ حجم التعقيدات التي تواجه النظام داخليًا ومع محيطه وعالميًا، أكبر من قدرته على التعامل معها باستعمال المفاتيح والأساليب القديمة.
إيران نجحت في التحايل على العقوبات
فإيران ما بعد الحرب وفي فترة وقف إطلاق النار مدمرة كليًا، قياداتها الدينية والسياسية والعسكرية والأمنية اغتيلت، اقتصادها منهار، مؤسسات الدولة على حافة السقوط، ونصف شعبها غير راضٍ عن النظام وعلى وشك الانفجار. أما التعقيدات الخارجية فتتداخل مع تحولات إقليمية عميقة، وتغيير في النظام العالمي، ومشهد نووي بالغ الهشاشة، لتضع من تبقى من صناع القرار تحت ضغط هائل وأمام خيارات جدًا محدودة، أحلاها مرٌ.
لذلك لا يمكننا فهم ما يحصل الآن من حصار بحري الذي أعلن عنه الرئيس الاميركي دونالد ترامب كخيار جيوسياسي عسكري لإجبار إيران على فتح مضيق هرمز، بمعزل عن جغرافية إيران التي يمكن وصفها باللعنة أحيانًا والبرَكة في أحيان أخرى. تجلس اليوم إيران على ملتقى شرق اوسط متغير ومضطرب، ووسط آسيا وجنوبها المتصاعد بقوته العسكرية والاقتصادية والسكانية، فمن باكستان إلى الصين مرورًا بالهند، يوجد 3 مليارات نسمة و3 قوى نووية لا يريد العالم أجمع بتناقضاته، أن يرى قوة رابعة هناك تعيد رسم التوازنات الدقيقة هناك. أضف إلى ذلك قوس الطاقة الممتد من الخليج العربي إلى بحر قزوين، وما يحمله هذا القوس من طاقة تقليدية ومتجددة، وموارد طبيعية ومعدنية نادرة تقدر بتريليونات من الدولارات.
أضف إلى ذلك، حدود إيران كبيرة ومعقدة، إذ تتشارك حدودها المباشرة وغير المباشرة البرية والبحرية، مع 16 دولة، وتطلّ على مضيق هرمز مفتاح النفط والغاز، والذي يشكل ما يقارب 20% من تجارة المواد النفطية العالمية. من هنا تعرف أميركا وإيران معًا أهمية جيوسياسة لمضيق هرمز وعدم قرصنته، تبقى حاجة دولية لا أميركية فقط، أو منع فرض رسوم عبور عليه من قبل إيران لا يتماشى مع القانون الدولي.
من جهة موازية لا تقل أهمية عن مضيق هرمز، تعتبر أميركا انّ أحد أهم مفاتيحها للضغط على إيران، هي العقوبات الاقتصادية القاسية والتي تُعتبر الأشمل في تاريخ الدبلوماسية الاقتصادية الحديثة. أدت هذه العقوبات إلى خضوع إيران لشبه حصار، كما أدت إلى تدهور في قيمة الريال الإيراني، ما زاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية التي أنتجت أزمة سياسية اجتماعية داخلية، واهتزازًا في ركائز النظام من خلال التظاهرات والاحتجاجات. وعلى الرغم من العقوبات والضربات الاقتصادية، ظل النظام الإيراني صامدًا، ولكن بضعف، وأخفّ حدّةً وعدائية في ما خص مبدأ التفاوص مع أميركا وخصوصًا المباشر.
تعرف أميركا أنّ إيران نجحت في بناء شبكة تحايل قوية وواسعة على هذه العقوبات، تضم قنوات تبادل غير رسمي مع العديد من الدول القوية ومنها الاقتصادات الناشئة. ما أفاد منظومة الحرس الثوري التي تسيطر على الاقتصاد الإيراني بشكل كبير، وساعده على تعزيز قبضته الأمنية والعسكرية والاقتصادية على الدولة الإيرانية ومؤسساتها.
معركة ترويض إيران
لا يختلف اثنان على أنّ ثمة في طهران تيارين رئيسيين يتجاذبان حول المفاوضات. التيار الأول براغماتيكي ويرى في المفاوضات الحل الأنسب لبقاء النظام، لأنّ الحرب المفتوحة ستستنزف النظام وتُفقده شرعيّته الداخلية، وتطيح بما تبقى من علاقات مع جيرانه خصوصًا الخليجية. في المقابل، يرى التيار المتشدد والذي يسيطر عليه الحرس الثوري، أنّ أيّ تنازل لأميركا وإسرائيل وخصوصًا في الملف النووي، سيؤدي إلى سلسلة تنازلات تؤدي حتمًا إلى تغيير النظام.
وما زاد من تعقيدات المشهد، هو التحولات الإقليمية السريعة لمصلحة أميركا وحلفائها في المنطقة، وخصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر. فسقوط نظام بشار الأسد وتراجع قدرات "حزب الله" العسكرية، وإضعاف "حماس" إلى حد كبير، يعني سقوط إحدى أهم أوراق إيران التفاوضية. في المقابل لا يمكن للتقارب مع بكين وموسكو أن يكونا بديلًا عن أذرع إيران في المنطقة، وخصوصًا مع الغياب التام لأيّ موقف عملي رسمي من هاتين الدولتين لدعم إيران في حربها الأخيرة.
أمام إيران اليوم خيارات محدودة أهونها صعب على النظام. الخيار الأول هو التفاوض الشامل الذي يعيد ترتيب وضع المنطقة وإيران. يُعتبر هذا الخيار الأكثر تكلفة سياسيًا داخليًا، والقادر على هزّ ركائز الدولة، ولكنه قادر أيضًا على إنقاذ الاقتصاد وإعادة تموضع النظام. الخيار الثاني هو التفاوض المبهم أو المراوحة التفاوضية المبهمة، وهذا يعني تفاوضًا منقوصًا وعلى تجزئة الملفات، من دون إيجاد حل للملفات الجوهرية وخصوصًا النووي، وهو ما قد يؤجل المواجهة ويؤدي إلى جولات من الاقتتال في المستقبل. الخيار الثالث هو التصعيد وزعزعة أمن المنطقة واستهداف دول الخليج، والضغط على الاقتصاد العالمي، من أجل إرغام أميركا على تقديم تنازلات معينة على قاعدة الفوضى في إيران يعني الفوضى في المنطقة وربما العالم، أقلّه اقتصاديًا.
اليوم تقف إيران ونظامها والمنطقة عند مفترق طرق شبيه بما حصل عام 1979. هناك رسم جديد لخريطة الشرق الأوسط السياسية وموازين القوة هناك. فالنظام يعرف أنّ الوقت ليس لصالحه، وإرسال واشنطن المزيد من العتاد العسكري، قد يجعل ورقة مضيق هرمز ثانوية إذا ما قُرنت بالضغط العسكري والاقتصادي الهائل القادم عليها.
المعركة اليوم هي كيف يمكن لأميركا أن تروّض إيران، وتجعل نظامها قابلًا للعيش بسلام مع جيرانه والعالم. أميركا وحلفاؤها يعلمون أنّ المعركة ليست معركة امتلاك إيران للسلاح النووي ومشروع الصواريخ الباليستية والمسيّرات، ولا حتى دعم الأذرع. المعركة اليوم أكثر تعقيدًا وحساسية، لأنها تشمل سيطرة أميركا على الطاقة وإمداداتها، وانخراط إيران بالاقتصاد العالمي الحديث الذي تسيطر عليه أميركا، ومحاصرة النفوذ الصيني المتصاعد، وسيطرة أميركا على المعادن النادرة، وصفقات بتريليونات الدولارات في مرحلة ما بعد الاتفاق. المفاوضات القائمة في باكستان بين أميركا ونظامين في إيران لا نظام واحد متماسك، الأول يريد الانخراط في التفاهمات الإقليمية الاقتصادية والدولية، والآخر يريد الصمود والتصدي، ما يجعل الأزمة بين من يريد إغلاق مضيق هرمز وإغلاق العالم معه، ومن يريد فتح المضيق وتغيير وجه إيران والمنطقة نحو الاستقرار والازدهار.