hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

يوميات المونديال.. العالم ضد الأرجنتين

الدول الكبرى كروياً لا يبدو أنّها ترغب بتتويج الأرجنتين بكأس العالم 2026 (رويترز)
الدول الكبرى كروياً لا يبدو أنّها ترغب بتتويج الأرجنتين بكأس العالم 2026 (رويترز)
verticalLine
fontSize

من الدول الكبرى كروياً، لا يبدو أنّ أحداً يرغب بتتويج الأرجنتين بكأس العالم 2026.

"معركة أميركا الجنوبية"

نبدأ بالجارة الأوروغواي الحائزة على اللقب مرتين (1930 و1950). "العداء" المزعوم يرتبط بالاستقلال حين كانت الأوروغواي تُعرف باسم "المنطقة الشرقية". في أوائل القرن الـ19، اشتد الصراع بين الأرجنتين والإمبراطورية البرازيلية للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية قبل تدخل بريطانيا ديبلوماسياً وتوقيع معاهدة العام 1828 التي أعلنت استقلال الأوروغواي كدولة محايدة ومنطقة عازلة بين الجارتين.

رغبة الأرجنتين في ضمها خلقت تنافساً إقليمياً تاريخياً امتد إلى صراع كروي جعل من لقائهما أحد أقدم وأشرس "ديربيات" العالم. جذور التنافس تعود تحديداً إلى نهائي أول كأس عالم في 1930، والذي جمع البلدين. يومها فازت الأوروغواي.

إسبانيا، بطلة العالم في 2010، تريد، بطبيعة الحال، التغلب على الأرجنتين في نهائي الأحد المقبل. لن يلعب الرابط بين ليونيل ميسي ونادي برشلونة أي دور في تغيير المعادلة.

يختلف الوضع عمّا حدث في نصف نهائي مونديال 1990 عندما التقت الأرجنتين مع إيطاليا المضيفة على "استاد سان باولو" ("استاد دييغو أرماندو مارادونا" حالياً) العائد لنادي نابولي.

السبب الرئيسي الذي جعل قسماً كبيراً من جماهير نابولي يدعم الأرجنتين هو العشق الجارف لمارادونا الذي صنع أمجاد النادي، إلى جانب فجوة اقتصادية واجتماعية ونظرة دونية تاريخية من المدن الشمالية الغنية تجاه الجنوب الفقير (ومنه مدينة نابولي). استغل مارادونا الشرخ بذكاء قبل المباراة وأطلق تصريحه الشهير للمشجعين: "طوال 364 يوماً في السنة، تعاملكم إيطاليا كأجانب وبؤساء في بلدكم، واليوم يطلبون منكم أن تكونوا إيطاليين لتشجيع المنتخب".

ورغم أن أغلب الجماهير شجعت إيطاليا إلا أنها أظهرت احتراماً للأرجنتين، ورفعت لافتات تلخص هذه "الحيرة التاريخية" مثل: "مارادونا، نابولي تعشقك لكن إيطاليا وطننا".

أما البرازيل فهي لا تستسيغ تتويج الأرجنتين رغم التحالف الاقتصادي القوي بينهما. مفهوم "العداء" يتغذى أولاً من الاستعمار حيث كانت الأرجنتين تابعة لـ"التاج الإسباني"، بينما كانت البرازيل تابعة لـ"الإمبراطورية البرتغالية". ورث البلدان بعد الاستقلال نزاعات حدودية وصراعاً لفرض السيطرة والنفوذ كقوة عظمى في أميركا الجنوبية، فضلاً عن خوض حرب مباشرة للسيطرة على "المنطقة الشرقية".

يعتبر التنافس الكروي بينهما الأشرس في العالم ويُطلق على مواجهتهما "معركة أميركا الجنوبية".

الصراع التاريخي يدور حول تحديد "الأفضل". فالبرازيل هي الزعيمة بـ 5 ألقاب مونديالية، ولا تريد أن تقترب الأرجنتين، صاحبة ثلاثة ألقاب، منها. يضاف إلى ذلك جدلية بيليه ومارادونا ثم ميسي لتحديد أفضل لاعب تاريخياً.

اللافت أن الجمهور البرازيلي دعم ألمانيا في نهائي مونديال 2014 أمام الأرجنتين، رغم سقوطه التاريخي أمامها في نصف النهائي 1-7. لم يرغبوا بتاتاً برؤية الجارة تتوّج باللقب على استاد "ماراكانا".

ألمانيا، صاحبة 4 ألقاب عالمية، لا تريد أن تعادلها الأرجنتين.

المواجهات بينهما هي الأكثر تكراراً في المونديال، بينها 3 في النهائي توّج "راقصو السامبا" في واحدة (1986) وألمانيا في اثنيتن (1990 و2014). وفي المواجهات الثلاث الأخيرة، فاز الألمان في ربع نهائي 2006 بركلات الترجيح، ربع نهائي 2010 برباعية، ونهائي 2014 بهدف.

وثمة خلفية تاريخية تثير الحساسية أحياناً. فقد وقفت الأرجنتين على الحياد معظم فترات الحرب العالمية الثانية ولم تعلن العداء لألمانيا إلا قبيل استسلامها بأيام. بعد سقوط أدولف هتلر العام 1945، سهّل نظام الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون، عبر ما عُرف بـ "خطوط الجرذان"، فرار آلاف من ضباط ومجرمي الحرب النازيين للعيش بأسماء مستعارة في بلاده. ملف شكّل لسنوات نقطة ملاحقة قضائية حساسة بين برلين وبوينس آيرس.

إيطاليا أيضاً لن تكون سعيدة بتتويج الأرجنتين لأنها ستعادلها ألقاباً.

توصف العلاقة بينهما بـ"الأخوية". فالأرجنتين أكثر دولة في العالم تأثرت بثقافة إيطاليا، ويمتلك أكثر من 60% من شعبها (حوالي 30 مليون شخص) أصولاً وجذوراً إيطالية.

يفرض "العداء" نفسه في كرة القدم، والحساسية الثقافية للتجنيس والمتمثلة بظاهرة الـ "أوريوندي".

تاريخياً، كان هناك نوع من العتاب بسبب خطف المواهب، إذ تسمح القوانين للاعبين الأرجنتينيين من أصول إيطالية بالحصول على الجنسية واللعب باسم الـ"أتزوري".

العداء بين عشاق رونالدو وعشاق ميسي

وبالنسبة إلى البرتغال التي لم تتوّج بالمونديال، فإنّ العداء بين عشاق كريستيانو رونالدو وعشاق ميسي حول العالم فرض التنافس بين المنتخبين. بات كل انتصار لـ"ليو" خسارة لـ"صاروخ ماديرا"، والعكس صحيح.

تُعتبر العلاقات الديبلوماسية بين البلدين ممتازة وتاريخية، حيث كانت البرتغال أول دولة في العالم تعترف باستقلال الأرجنتين العام 1821.

إنجلترا لن ترغب بتتويج الأرجنتين، فهي من أقصاها من نصف النهائي. وخلافاً للدول السابقة، يعتبر "العداء" بين الدولتين سياسياً، عسكرياً، ورياضياً عميقاً جداً. لا يتوقف عند حدود كرة القدم، بل يمتد إلى دماء سُفكت في حرب ونزاع سياسي وسيادي ملتهب حتى اليوم.

تتركز جذور "العداء" في حرب السيادة على جزر واقعة في جنوب المحيط الأطلسي بالقرب من سواحل الأرجنتين التي تعتبرها أرضاً محتلة وتسميها "جزر مالفيناس"، بينما تبسط بريطانيا سيطرتها عليها منذ 1833 وتسميها "فوكلاند".

عام 1982، غزت الحكومة العسكرية الأرجنتينية الجزر عسكرياً. ردت بريطانيا بإرسال أسطول بحري ضخم لخوض حرب دامت 74 يوماً انتهت بهزيمة الأرجنتين ومقتل نحو ألف جندي من الطرفين.

بعد الفوز في نصف نهائي مونديال 2026، رفع عدد من لاعبي منتخب الأرجنتين لافتة حصلوا عليها من الجمهور وحملت العبارة الشهيرة بالإسبانية: "جزر مالفين/فوكلاند أرجنتينية"، الأمر الذي أسال الكثير من الأقلام، وصولاً إلى المطالبة بإيقاف عدد من "راقصي التانغو".

بعد الحرب بأربعة أعوام، التقى المنتخبان في ربع نهائي مونديال 1986 في المكسيك. كانت المباراة أشبه بـ"حرب بديلة بلا سلاح"، وتحولت إلى أشهر مواجهة بفضل مارادونا الذي سجل هدفين، الأول حمل اسم "يد الله" إذ أحرزه بيده على غفلة من الحكم، واعتبره الأرجنتينيون انتقاماً من الإنجليز، فيما اعتُبر الثاني "هدف القرن" بعدما راوغ مارادونا نصف لاعبي الخصم من منتصف الملعب قبل تسجيله.

وشهدت المواجهات بينهما في كؤوس العالم التالية (مثل 1998 و2002) طرد ديفيد بيكهام ومشاحنات بين اللاعبين والجماهير.

الهولنديون لن يحبذون تتويج رجال المدرب ليونيل سكالوني، لكن المفارقة الثقافية الأبرز تتمثل في كون ملكة هولندا الحالية، ماكسيما، أرجنتينية الأصل والمنشأ.

يُستخدم مصطلح "العداء" مجازياً لوصف واحد من أعنف وأشرس الصراعات في تاريخ كأس العالم.

بدأ التنافس في السبعينيات، تحديداً في مونديال 1974 عندما اكتسحت هولندا بقيادة يوهان كرويف، وبفلسفة "الكرة الشاملة"، الأرجنتين برباعية. هزيمة أحدثت صدمة في بوينس آيرس وأجبرت "بلاد الفضة" على تغيير نهجها. وفي نهائي 1978، ردت الدين في مباراة مشحونة وعنيفة، وانتزعت اللقب. رفض لاعبو "الطواحين" حضور مراسم التتويج وتسلم الميداليات احتجاجاً على الأجواء العدائية والمضايقات التي تعرضوا لها. منذ ذلك الحين، تحولت اللقاءات بينهما إلى مسألة ثأر دائم.

مارادونا بطل قومي

في مونديال 1998، نجحت هولندا في إقصاء خصمتها من ربع النهائي بهدف دينيس برغكامب الأسطوري، في مباراة شهدت طرد الأرجنتيني أرييل أورتيغا بعد اعتدائه على الحارس إدوين فان در سار. ثم جاءت "معركة لوسيل" في ربع نهائي مونديال 2022. بدأت الأزمة قبل المباراة بتصريحات مستفزة من المدرب الهولندي لويس فان غال الذي قلل من القيمة الدفاعية لميسي وقال إن هولندا تعرف كيف توقفه. تحولت المواجهة إلى ما يشبه "حرب شوارع"، وشهدت ركل لاعب أرجنتيني الكرة بقوة نحو دكة بدلاء هولندا، ما فجر اشتباكات جسدية عنيفة. انتهت الموقعة برقم قياسي تاريخي في كأس العالم (18 بطاقة صفراء). بعد فوز الأرجنتين بركلات الترجيح، التقطت الكاميرات لاعبيها وهم يشمتون ويسخرون من الخصوم المحبطين.

كل هذه العداءات لا تهم الأرجنتين. تركيزها على النهائي والتتويج. لكن ثمة جماهير عريضة حول العالم تدعمها بجنون، أكبرها في بنغلاديش حيث تمتلك شعبية جارفة تُصنف كواحدة من أغرب وأقوى الظواهر الجماهيرية.

بنغلاديش تقع في جنوب آسيا على بُعد أكثر من 16 ألف كيلومتر من الأرجنتين، ولم تتأهل أبداً إلى كأس العالم، إلا أن التقارير تؤكد أن عدد مشجعي "راقصي التانغو" فيها يتجاوز الـ70 مليوناً (60% من الشعب)، وهو رقم يتجاوز عدد سكان الأرجنتين نفسها (46 مليوناً).

يعود أصل هذا العشق إلى مونديال 1986 حين كانت بنغلاديش بلداً حديث الاستقلال عانى طويلاً من الاستعمار البريطاني. وعندما التقت الأرجنتين بإنجلترا في ربع النهائي وأقصتها بهدفي مارادونا، اعتبر الشعب البنغالي ذلك انتصاراً شخصياً وثأراً من المستعمر القديم. تحول مارادونا إلى بطل قومي وأيقونة ملهمة داخل كل منزل بنغالي. ثم جاء إرث ميسي واستمرار الشغف عبر الأجيال.

يحظى "ليو" بمكانة تصل إلى حد التقديس الرياضي في بنغلاديش. وخلال المونديال الراهن، انفجرت شوارع العاصمة دكا بـ"هاتريك" ميسي أمام الجزائر، ثم بالعودة أمام مصر، وصولاً إلى احتفالات جنونية عقب إقصاء إنكلترا.

حبٌ لم يعد من طرف واحد بل خلق رابطاً فريداً بين الشعبين والحكومتين. ونظراً للمشاهد الأسطورية لتشجيع البنغاليين في مونديال 2022، قررت الحكومة الأرجنتينية إعادة فتح سفارتها في دكا العام 2023 بعد إغلاق دام 45 سنة.

وخلال الاحتفالات الأخيرة للأرجنتينيين في شوارع بلادهم بالتأهل إلى نهائي 2026، رصدت الكاميرات مواطنين يرفعون علم بنغلاديش رداً للجميل، كما يحرص سكالوني واللاعبون على توجيه رسائل شكر خاصة ومستمرة لجمهورها قبل وبعد المباريات.

news_suggested_videos_نشرة اليوم - 16-07-2026
play