hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

"أحداث سبتة"... تكشف مأزق السياسات الأوروبية للهجرة

شقير: أزمة سبتة تمثل اختبارا لصلابة السياسات الأوروبية بشأن الهجرة (رويترز)
شقير: أزمة سبتة تمثل اختبارا لصلابة السياسات الأوروبية بشأن الهجرة (رويترز)
verticalLine
fontSize

هزّت موجات الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأيام الماضية العواصم الأوروبية، وأعادت ملف الهجرة إلى صدارة الاهتمامات السياسية والأمنية في الاتحاد الأوروبي. والحقيقة أن تداعيات هذه التطورات لم تقتصر على الاستنفار الأمني لحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ومنطقة شنغن، بل أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة لم تتمكن أوروبا من تقديم إجابات حاسمة عنها حتى اليوم. وفي مقدمة هذه الأسئلة مدى قدرة سياسات الاتحاد الأوروبي على إدارة ملف الهجرة بفاعلية، في ظل ما يمثله هذا الملف من تحدٍّ سياسي وأمني وإنساني يتجدد مع كل أزمة.

وإذا كانت مشاهد آلاف المهاجرين الذين وصلوا براً وبحراً إلى سبتة قد صدمت الرأي العام الأوروبي، فإن ردود الفعل السياسية داخل الاتحاد شكّلت صدمة أكبر من الحدث نفسه. فقد كشفت التصريحات والمواقف التي أعقبت الأزمة حجم التباين بين الدول الأعضاء بشأن كيفية التعامل مع ملف الهجرة، وأظهرت أن الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيداً عن الحد الأدنى من التوافق على سياسة موحدة تحقق التوازن بين حماية الحدود الخارجية، والالتزام بالمعايير الإنسانية، وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء.

وفي هذا السياق، عكست مطالبة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بتعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن حجم التوتر الذي أحدثته الأزمة، كما أعادت إلى الواجهة الخلافات الأوروبية العميقة بشأن إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ومستقبل فضاء شنغن.

ولعل أكثر ما يثير القلق في "أحداث سبتة" أنها جاءت بعد أسابيع قليلة من دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيّز التنفيذ، وهو الميثاق الذي رُوّج له باعتباره خطوة نحو بناء إطار أوروبي أكثر تماسكاً لإدارة الهجرة واللجوء. غير أن ما شهدته سبتة أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذا الإطار على الصمود أمام الأزمات المفاجئة، وحول استعداد الدول الأعضاء لتطبيقه بروح من التضامن والمسؤولية المشتركة.

سبتة... اختبار جديد للتضامن الأوروبي

عندما أطلق وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان إعلانه التاريخي في 9 مايو 1950، وضع عملياً حجر الأساس للمشروع الأوروبي بقوله إن "أوروبا لن تُبنى دفعة واحدة، ولا وفق خطة واحدة، بل من خلال إنجازات ملموسة تخلق، أولاً وقبل كل شيء، تضامناً فعلياً". واليوم، وبعد أكثر من 70 عاماً على هذا الإعلان، تبدو أحداث سبتة اختباراً جديداً وحقيقياً لهذا "التضامن الفعلي"، إذ كشفت أن التوافق الأوروبي يتراجع كلما اصطدمت المبادئ المشتركة بالمصالح الوطنية، ولا سيما في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الهجرة وحماية الحدود.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى "أحداث سبتة" بوصفها أزمة حدودية عابرة، بل باعتبارها اختباراً جديداً لصلابة السياسات الأوروبية للهجرة، وكاشفاً لحجم التحديات التي لا تزال تواجه الاتحاد الأوروبي في التوفيق بين متطلبات الأمن، والالتزامات الإنسانية، والتوافق السياسي بين أعضائه. كما تؤكد هذه الأحداث أن أزمة الهجرة في أوروبا لم تعد مرتبطة فقط بتزايد أعداد المهاجرين أو بقدرة الدول على ضبط حدودها، وإنما أصبحت تعكس أزمة أعمق تتمثل في غياب رؤية أوروبية موحدة لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل الاتحاد.

ولأن الأزمات الكبرى تكشف مكامن الخلل أكثر مما تصنعها، فمن المفيد التوقف عند 3 مؤشرات رئيسية أفرزتها "أحداث سبتة"، تفسر حجم القلق الأوروبي الذي أثارته الأزمة، وتوضح في الوقت نفسه حدود السياسات الأوروبية الحالية في التعامل مع ملف الهجرة.

أولاً: محدودية فاعلية السياسات الأوروبية في الحد من الهجرة غير النظامية

على الرغم من مليارات اليوروهات التي أنفقها الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة لتعزيز أمن حدوده الخارجية، وإبرام اتفاقيات مع دول العبور والمنشأ، وتوسيع صلاحيات وكالة "فرونتكس"، فإن أحداث سبتة أظهرت أن هذه السياسات لم تنجح في وقف تدفقات الهجرة غير النظامية. كما أنها لم تتمكن من معالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، إذ انصب تركيزها في معظم الأحيان على إدارة النتائج أكثر من معالجة الدوافع.

وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمة حجم اعتماد أوروبا على تعاون دول الجوار في حماية حدودها الخارجية، وأثبتت أن أي خلل في هذا التعاون، أو أي تطور سياسي مفاجئ في محيطها الإقليمي، قادر على وضع الحدود الأوروبية أمام اختبار بالغ الصعوبة خلال فترة زمنية قصيرة.

ثانياً: استمرار الانقسام الأوروبي حول سياسات الهجرة

يمكن القول إنه، وعلى الرغم من اعتماد ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد في 12 يونيو الماضي، لا تزال الدول الأوروبية تختلف جذرياً بشأن كيفية توزيع المسؤوليات، واستقبال طالبي اللجوء، وآليات إعادة المهاجرين غير النظاميين، وحدود التضامن الأوروبي. وقد أعادت أزمة سبتة هذه الخلافات إلى الواجهة، مؤكدة أن المصالح الوطنية لا تزال تتقدم، في كثير من الأحيان، على الالتزامات الجماعية، الأمر الذي يحدّ من قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستجابة الموحدة للأزمات، ويجعل أي ضغط مفاجئ على حدوده الخارجية كفيلاً بإعادة فتح الانقسامات ذاتها بين الدول الأعضاء.

ثالثاً: تعرض مبدأ التضامن الأوروبي وفضاء شنغن لاختبار جديد

في كل أزمة هجرة كبرى، يعود النقاش حول مستقبل حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، ومدى قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على فضاء شنغن دون اللجوء إلى إجراءات وطنية استثنائية. ومن هذا المنطلق، فإن أحداث سبتة لم تكن مجرد أزمة على الحدود الإسبانية، بل شكّلت اختباراً جديداً لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده الخارجية دون المساس بأحد أهم منجزاته السياسية، وهو حرية التنقل بين دوله.

ولذلك، فإن الموقف الإيطالي خلال هذه الأحداث، والمدعوم من عدد من الدول الأوروبية، لا يعكس مجرد تباين في وجهات النظر بشأن إدارة الأزمة، بل يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل فضاء شنغن، ويؤشر إلى أن أي إخفاق في إدارة الحدود الخارجية بصورة فعّالة قد يعيد طرح التساؤلات حول أحد أبرز منجزات المشروع الأوروبي.

مفتاح الحل... يبدأ من الداخل الأوروبي

اليوم، وبعد أحداث سبتة، تطفو الحقيقة المُرّة في ملف الهجرة الأوروبي مجدداً إلى السطح، لتؤكد أن الاتحاد الأوروبي لا يواجه فقط تحدي تدفقات الهجرة غير النظامية، بل يواجه أيضاً أزمة في طريقة إدارة هذا الملف والتعامل معه.

فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف المصالح والآراء بين الدول الأوروبية، فهذا أمر طبيعي داخل اتحاد يضم 27 دولة ذات أولويات ومصالح متباينة، وإنما في غياب رؤية أوروبية إستراتيجية قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها بصورة جذرية ومستدامة.

عملياً، لقد أثبتت أحداث سبتة أن أوروبا ما زالت تتعامل مع ملف الهجرة بمنطق إدارة التداعيات أكثر من معالجة الأسباب، وأن اعتمادها المتزايد على دول الجوار في حماية حدودها الخارجية جعل هذا الملف، في كثير من الأحيان، رهينة للتطورات السياسية والإقليمية الخارجة عن سيطرتها. ومع كل أزمة جديدة، تتكرر الانقسامات نفسها، ويعود الجدل ذاته حول توزيع المسؤوليات، وحماية الحدود، ومستقبل فضاء شنغن، بما يعكس هشاشة التوافق الأوروبي في أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل الاتحاد.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه القادة الأوروبيين لم يعد يقتصر على تشديد الرقابة على الحدود أو إبرام المزيد من الاتفاقات مع دول العبور والمنشأ، بل يتمثل في امتلاك الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات داخلية جريئة تعيد صياغة سياسة الهجرة الأوروبية من جذورها، وتجعل الاتحاد الأوروبي هو المتحكم الأول بهذا الملف، بدلاً من أن يبقى معتمداً على متغيرات خارجية لا يملك السيطرة عليها.

ولعل من أبرز هذه القرارات توسيع قنوات الهجرة والعمل النظاميين بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل الأوروبي، وبما يحدّ من لجوء الراغبين في العمل إلى مسارات الهجرة غير النظامية. على أن تأتي هذه الخطوة بالتوازي مع إعادة النظر في منظومة التقديمات الاجتماعية للمهاجرين غير النظاميين، بحيث تبقى جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية الأوروبية، من دون أن تتحول إلى أحد أبرز عوامل جذب الهجرة غير النظامية.

وفي نهاية المطاف، تؤكد أحداث سبتة أن مستقبل سياسة الهجرة الأوروبية لن يُحسم عند الحدود الخارجية للاتحاد، بل داخل الاتحاد نفسه، حيث تُصنع السياسات وتُتخذ القرارات. فكلما تأخر الأوروبيون في معالجة جذور المشكلة، ازدادت كلفة هذا الملف سياسياً وأمنياً وإنسانياً. فالحدود الحقيقية لأوروبا لا تبدأ عند أسوار سبتة ولا على سواحل المتوسط أو في البلقان، بل تبدأ من السياسات التي تعتمدها.

فإذا أرادت أوروبا أن تستعيد السيطرة على حدودها، فعليها أولاً أن تستعيد السيطرة على سياسة الهجرة نفسها. 

news_suggested_videos_صواريخ ومسيرات وعشرات القتلى.. نار الحوثيين تُشعل اليمن
play