لم تكن الانتخابات الاسرائيلية التي حصلت الأسبوع الفائت بالعادية على اسرائيل والشرق الأوسط. فالانتخابات أفرزت شرخا كبيرا في الرأي العام الإسرائيلي الداخلي من جهة، وبين الرأي العام العربي والاسرائيلي من جهة ثانية. فالانتخابات كانت بطبيعتها وخطابها أقرب لتكون انتخابات شرق أوسطية منها إسرائيلية فتحول النقاش الداخلي والخطاب الانتخابي إلى ما هي حدود إسرائيل، وكيفيت إدارة الملف النووي الإيراني، والتعامل مع المجموعات المسلحة في المنطقة، وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وحدود النفوذ.
التحولات الأمنية والعسكرية والسياسية في المنطقة
لذلك، لا يمكن النظر للانتخابات الاسرائيلية بمفهوم خسارة أو ربح بنيامين نتانياهو ومستقبله السياسي، بل على العكس قد تعكس نقطة مفصلية في كيفية تصور الشرق الأوسط ورسم خطوطه وتحالفاته وخصوصا عقب التحولات الأمنية والعسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة عقب هجوم 7 أكتوبر 2023. فالملفات المتشابكة اقليميا ودوليا من لبنان وسوريا وغزة وإيران مرورا بأوروبا وأميركا وكذلك الدولة الفلسطينية وطبيعة إحياء مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، يجعل من هذه الانتخابات ابعد من تعلقها بأشخاص وإنما بمستقبل الشرق الأوسط.
ولكن أهمية هذه الانتخابات تكمن في الشرخ السياسي والأمني والعسكري بالداخل الإسرائيلي وخصوصا بعد سنوات من الحروب وانعدام الأمان ومع تراجع الثقة في القيادة السياسية والأمنية. فالسؤال الأهم ليس من سيتولى الحكم في إسرائيل، ولكن ما قدرة إسرائيل على التحول والمراجعة في الملف الإقليمي، وهل أي تغيير في القيادة سيؤدي إلى تغيير في السياسة، أو سيعيد ترتيب أدوات الصراع والنفوذ.
فعلى الرغم من الاختلاف الجدي بين نتانياهو والمعارضة بشأن إدارة الحرب في غزة والعلاقة مع أميركا وأوروبا وبعض الدول العربية، إلا أنه حتى اليوم والمتابع للخطابات السياسية والانتخابية فلا توجد أي مؤشرات جدية وكافية على التحول الإستراتيجي في الموقف الإسرائيلي من قيام دولة فلسطينية مستقلة أو أقله إعادة تغيير السلوك المتطرفين في الضفة الغربية وغزة.
فالملف الفلسطيني قد لا يتعدى في بعده السياسي الداخلي الإسرائيلي في كيفية إدارة قطاع غزة وخصوصا مرحلة إعادة الإعمار والحكم والأمن، من دون ضمان إطلاق مسار سياسي جدي قد يؤدي إلى سلام مستدام في القطاع. أما في الضفة الغربية، فالاستيطان، وأعمال التخريب من المتطرفين، وغياب أفق التسوية، وعسكرة الضفة الغربية قد يجعلان احتمالات المواجهة والضم أكبر بكثير من الحل والاستيعاب. لذلك، لن يكون هناك تحول سياسي حقيقي وواقعي فيما خص القضية الفلسطينية مما يجعل القيمة الإقليمية لأي حكومة إسرائيلية جديدة أقرب إلى انعدام الثقة.
أما لبنانيا، لا يوجد اختلاف بين التيارات الإسرائيلية على اختلافها من تحجيم "حزب الله"، ونزع سلاحه، وارتباط الانسحاب الإسرائيلي بفرض معادلات أمنية وسياسية جديدة مع لبنان. فالاختلاف بين الأحزاب الإسرائيلية في ما خص لبنان ليس على الأهداف أو استخدام القوة العسكرية، وإنما على المقاربة وآلية التطبيق. وتكمن الخطورة ليس فقط في المشروع، ولكن في الاحتمالية العالية لاستمرار الضغوط السياسية والعسكرية بما يزيد من حدة التوترات والانقسامات في الداخل اللبناني وذلك بسبب ضعف الدولة اللبنانية ومؤسساتها ما يسمح لإسرائيل بفرض واقع جديد. أما في سوريا فلا تختلف الأحزاب الإسرائيلية على الأهداف وأهمها منع إيران من اعادة ترسيخ قوتها العسكرية والسياسية والعقائدية، أو بروز قوة عسكرية على حدودها ما يعني استمرار بقاء الأراضي السورية مفتوحة للتحركات العسكرية الإسرائيلية إلا أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع الدولة السورية.
لا تراجع عن إيران كخطر وجودي على إسرائيل
أما مع إيران، فالقضية مختلفة. فعلى الرغم من استغلال معظم الأحزاب الإسرائيلية الملف الإيراني في خطابها الانتخابي وهذا ما يعكس مدى تشكيل إيران لتحدي إستراتيجي وعسكري صعب في حسابات الجميع في إسرائيل. ولكن أبرز ما جمع الأحزاب على اختلافها هو اعتبار إيران الخطر الإستراتيجي الأكبر، ومنعها من امتلاك سلاح نووي والحد من نفوذها الإقليمي والصاروخي. فالاختلاف يكمن في طبيعة المواجهة وكيفية إدارة الصراع مع إيران والعلاقة مع واشنطن. فبينما يطمح نتانياهو إلى توسيع المواجهة تفضل بعض الأطراف الأخرى إلى التركيز على الأهداف الأمنية والعسكرية المباشرة.
ففي الحالتين وخصوصا للقارئ في انتخابات الاسرائيلية، يبدو أن لا تراجع عن مدى تشكيل إيران لخطر جوهري وجودي على إسرائيل ولا يبدو أنه يوجد مكان للتراجع الجوهري في مستوى التوتر مع طهران. ما يجعل المنطقة على قاب قوسين أو أدنى من مواجهة واسعة لتشمل ساحات عدة في الشرق الأوسط.
أما على صعيد التطبيع العربي الإسرائيلي، فتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة فيما خص العلاقات العربية الإسرائيلية وخصوصا مع التمثيل الكبير الذي حققته الأحزاب العربية. فمحاولات التطبيع الإسرائيلية مع العديد من الدول العربية لا تزال تواجه تحديات جوهرية وخصوصا مع تحول المشروع الأميركي الإستراتيجي من طموح وجامع إلى الأخذ في عين الاعتبار الحسابات السياسية والأمنية التي تجاوزت بدورها المصالح الاقتصادية والتكنولوجية.
لذلك يبقى مصير التقارب وتوسعت الاتفاقات الإبراهيمية مرتبط بالشخصية التي ستشكل الحكومة المقبلة في إسرائيل، فقد يؤدي خروج اليمين من الحكم إلى توفير مساحة دبلوماسية أوسع تساعد في استئناف المفاوضات، ولكن لن يكون كافيا في ظل عدم وجود إجماع إسرائيلي على قيام دولة فلسطينية. فوجود حكومة يمينية متطرفة قد يدفع العديد من الدول العربية إلى إعادة حساباتها والتمسك بالفصل بين التعاون الاقتصادي الأمني والتطبيع السياسي. من هنا تبقى أميركا الدولة الأكثر تأثيرا بحيث تسعى الإدارة الأميركية إلى الحفاظ على التفوق الإسرائيلي، واحتواء إيران، وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، وفي الوقت عينه تجنب حرب إقليمية واسعة.
مصير نتانياهو
من هنا قد يساعد وصول قيادة إسرائيلية أكثر انفتاحا إلى تحسين العلاقة مع واشنطن وخصوصا في ظل التحول السياسي المرتقب في أميركا بسبب تداعيات نتائج الانتخابات الأميركية على العلاقة مع إسرائيل من جهة، والنهج المتبع من جهة ثانية في تخفيف التوترات الدبلوماسية أقله. فالمصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة تظل مرتبطة بأمن إسرائيل، وأمن الخليج، وطرق التجارة والطاقة، ومنع توسع النفوذ الإيراني وحصولها على السلاح النووي.
لذلك لا يجب اختزال نتائج الانتخابات الاسرائيلية في مصير نتانياهو السياسي، فالتحدي الأساسي يكمن في فهم طبيعة إسرائيل التي تشكلت عقب هجمات 7 اكتوبر 2023 وفهم تداعياتها واستخلاص العبر. فالسياق التاريخي لإسرائيل وعلاقتها مع واشنطن والمحيط العربي مرتبط بأحداث أمنية رسمت العلاقة السياسية من 1948 مرورا بالـ1967 ومن ثم 1993 وصولا إلى 2023. من هنا يبقى السؤال الأكثر عمقا، إلى أي مدى تستطيع إسرائيل مراجعة عقيدتها الأمنية والعسكرية والتحول نحو العمل السياسي مع محيطها.
قد يتغير رئيس الحكومة في إسرائيل وقد تتبدل التحالفات السياسية الداخلية، وقد تتبدل أو تتطور أدوات إدارة الصراع، ولكن ذلك لا يعني تغير الأولويات الإستراتيجية الإسرائيلية. ومع بقاء إسرائيل على موقفها ووجودها العسكري والأمني في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية والرفض القاطع لقيام دولة فلسطينية، ستبقى احتمالات التصعيد قائمة مع دول الحدود والمنطقة. فالانتخابات لا تقدم فرصة للسلام بقدر ما تفتح مرحلة لربما جديدة من حسابات القوة والنفوذ. لذلك مستقبل الشرق الأوسط ليس مرتبط بمن سيحكم إسرائيل، بل قدرة القيادة المقبلة للانتقال من منطق إدارة الصراعات بالمنطق الأمني العسكري إلى معالجة اسبابها والتعايش البناء والمزدهر والمستدام مع محيطها، لأن البديل سيجعل المنطقة رهينة معادلات قائمة على الحروب والدمار والخراب والتسويات المرحلية الهشة.



