hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

الانتخابات الأميركية.. لا تاريخية، ولا جذرية، ولا تغييرية

آخر تحديث:
الانتصار الديمقراطي الانتخابي هذا الأسبوع جاء ساحقا ماحقا (رويترز)
الانتصار الديمقراطي الانتخابي هذا الأسبوع جاء ساحقا ماحقا (رويترز)
verticalLine
fontSize

هذه الانتخابات النصفية السادسة التي أراقبها وأعيشها عن قرب، منذ هجرتي الى الولايات المتحدة منذ نحو ربع قرن.

 الناخب الأميركي متمرد وذاكرته قصيرة

الأولى كانت يوم وقف الرئيس جورج بوش الابن، في العام 2006، ليعلن "هزيمة ساحقة" (Thumping) لحزبه. بدا وكأنّ رئاسة بوش انتهت وكأنّ الغالبية الديمقراطية الضخمة، ستجبره على إيقاف حرب العراق فورا والانسحاب. ماذا فعل بوش؟ على عكس موقف الغالبية الديمقراطية ومعها الأقلية الجمهورية، أعلن "خطة زيادة القوات"، وهي التي أوقفت الحرب الأهلية، وأدّت الى تثبيت الأمن في العراق، إلى ما بعد الانسحاب الأميركي منه في 2011.

في 2008، اجتاحت موجة الرئيس باراك أوباما الولايات المتحدة، فوسّع من الغالبية لحزبه، التي وصلت في مجلس الشيوخ إلى 60 مقعدا. يومذاك، بدت أميركا وكأنها تتغيّر جذريا، وإلى الأبد، وبدا وكأنّ الديمقراطيين هم حزب الشباب والمستقبل، يقابلهم حزب المسنّين البيض الجمهوري.

لكنّ الناخب الأميركي متمرد وذاكرته قصيرة. لم تكد تمر سنتان على عمر رئاسة أوباما، حتى صعدت موجة "حفلة الشاي" التابعة للجمهوريين. في اليوم التالي للانتخابات النصفية في 2010، وقف أوباما يعلن تعرّضه وحزبه لـ"هزيمة ساحقة" (Shellacking). لم يقوَ أوباما على القيام بأيٍّ من التغييرات الجذرية التي بدت أميركا تقف على حافتها. بالكاد مرّر قانونه للرعاية الصحية، وجاء القانون هزيلا ضعيفا بعدما قلّمه حلفاء أوباما في حزبه، حتى يتناسب مع متطلبات ناخبيهم.

أما وقف الاحتباس الحراري وقلب السياسة الخارجية وغيرها، فكلّها تلاشت ولم يستطع أوباما حتى الحفاظ على مقعد كانت تشغله قاضية ديمقراطية في المحكمة العليا، وذهب، مع وصول ترامب إلى الحكم، إلى الجمهوريين، ليسيطروا على الغالبية في المحكمة، التي كانت منقسمة نصفين حتى ذلك التاريخ.

إذًا، بدل أن يبدّل أوباما وجه أميركا ويجعلَه في صورته وصورة حزبه الليبرالية، خسر المحكمة، التي شطبت في ما بعد قانون الإجهاض التاريخي، فانقلبت الأمور لمصلحة الجمهوريين بدلا من الديمقراطيين.

ومثل أوباما، بالكاد نجح ترامب في ولايته الأولى في تمرير قانون خفض الضرائب، ولم ينجح في حشد الغالبية المطلوبة لتفكيك قانون الرعاية الصحية كما وعد، حتى جاءت انتخابات 2018 النصفية، فانتزعت منه مجلس النواب، الذي سارع إلى محاولة مقاضاة الرئيس، وصولا إلى التصويت على عزله على طريق خلعه من الحكم.

ومثل ترامب، خسر الرئيس جو بايدن الغالبية في الانتخابات النصفية في 2022، بعدما أقرّ "العقد الجديد الأخضر"، وخصّص له ترليون دولار. أدى الارتفاع الهائل في الانفاق الحكومي إلى رفع التضخم، وتاليا غلاء الأسعار، التي أطاحت ببايدن، وكذلك فعلت، هذا الأسبوع، بالغالبية الجمهورية في انتخابات منتصف فترة ترامب الرئاسية الثانية.

صحيح أنّ الانتصار الديمقراطي الانتخابي هذا الأسبوع جاء ساحقا ماحقا، وصحيح أنّ زعيم الغالبية الديمقراطية سابقا، ومع مطلع العام المقبل، السناتور تشاك شومر وصفه بالجذري و"الجيلي" (أي تغيير للأجيال)، ولكنّ هذا الكلام سياسي وليس كلام عالم اجتماع.

لهذا حصل التغيير الساحق في الكونغرس

التغيير الساحق في الكونغرس، سببه الغضب الشعبي الأميركي من الغلاء وارتفاع الأسعار، وهذا الغضب هو الذي جعل الأميركيين يغيّرون رؤساءهم بسرعة، إذ هم منحوا ترامب ولاية واحدة، ثم منحوا بايدن ولاية واحدة، وأعادوا ترامب، وبين 2018 واليوم، تغيرت الغالبية في إحدى غرف الكونغرس أو كلتيهما، 5 مرات في 5 انتخابات متتالية، وهذا رقم مرتفع قياسا في الماضي، حيث كانت الغالبية تسيطر على مجلس واحد على الأقل لثمانية أعوام.

مزاج الناخب الأميركي، وسرعة انتشار الأخبار بسبب وسائل التواصل، والشعبوية والإغداق في الوعود الكاذبة، كلها غيّرت السياسة الأميركية جذريا، ولكنها لم تغير أميركا بالشكل الجذري الذي يخاله أيٌّ من الحزبين كلّما انتصر في الانتخابات الرئاسية أو النصفية.

والمفارقة أنّ مزاج الناخب الأميركي متقلّب وغاضب بسبب التضخم الاقتصادي، وهذا غالبا خارج سيطرة الحكومات. مثلا، تستميت الصين لإعادة اقتصادها إلى التضخم، إذ هو يعاني من عكس ذلك. أما في الولايات المتحدة، فأبرز أسباب التضخم هو النمو الاقتصادي والإنفاق الحكومي، الذي يترافق مع نمو الناتج المحلي بوتيرة عالية جدا، مع نسبة بطالة تقارب الصفر، وارتفاع متواصل في الرواتب. وحتى ينخفض التضخم، تحتاج أميركا إلى ركود، وهو ما يؤدي إلى انحسار النمو والوظائف، وهو ما لا تريده أيٌّ من حكومات العالم لشعبها.

لا يتمعّن الأميركيون في تفاصيل الأمور، ولا يساعد في ذلك الشعبوية البغيضة والوعود المتواصلة بالتغيير، فيغير الأميركيون حزبا، ثم يكتشفون بسرعة عدم قدرته على التغيير، فيغيرون الحزب مجددا، وهكذا دواليك: غضب يؤدي الى سرعة في تغيير الحكام، بدون تأثير في تغيير مجرى الاقتصاد والتضخم الذي يرافقه.

أما السياسة الخارجية، فهي قلّما تتغير، بغضّ النظر عن هوية الحزب الحاكم. أحيانا يقوم رئيس بتجارب، مثل أوباما واتفاقه مع إيران، وربيعه العربي، وكلها أفكار تحطمت وأدت الى كوارث. ولكن بشكل عام، لم تعد أميركا إلى الاتفاقية مع إيران في زمن بايدن، ولا هي غيّرت من ترحيلها للاجئين غير الشرعيين، بغضّ النظر عمّن يسكن البيت الأبيض، ولا هي ستعادي إسرائيل مثلما يتصور البعض، لأنّ الأمر إستراتيجي ويتعدى مشاعر الحملات الانتخابية.

الواقعية المفقودة في خيارات الناخب الأميركي مفقودة أحيانا لدى متابعي نتائج الانتخابات المتقلبة بسرعة. يصدّقون الحملات الانتخابية، البعض يحتفل والآخر يلطم، ولكن في نهاية المطاف، هامش التغيير داخليا وخارجيا صغير جدا، ويكاد يكون منعدما. السياسات (policies) لن تتغير كثيرا. أما السياسة (politics)، فمثل حفلة الزجل، أو على ما يقول المشرقيون، مثل الحمّام المنقطعة ماؤه، كل يوم موال، وكل يوم موقف، وكلها من قبيل الجعجعة بدون طحين.

news_suggested_videos_ مشهد يكسر المنطق.. تعرض للدهس ونهض واقفاً وكأن شيئاً لم يكن!
play