صدقت التوقعات. هولندا أنهت منافسات المجموعة السادسة من مونديال 2026 في الصدارة. عانت قليلاً أمام اليابان (2-2)، قبل اكتساح السويد 5-1 وتونس 3-1.
السويد، الفائزة افتتاحاً على تونس 5-1 والخاسرة بالنتيجة ذاتها أمام هولندا، أحرجت اليابان القادمة من انتصار كبير بالـ4 على تونس، بتعادل إيجابي 1-1.
كان الكل، باستثناء تونس التي أقصيت منذ الجولة الثانية، يدرك بأن البرازيل تنتظر وصيف المجموعة الـ6 في دور الـ32.
هولندا تنفّست الصعداء قبل غيرها لإدراكها بأن الفوز على تونس في المتناول وبأن صدارتها لن تهتز. أدّت المهمة على أكمل وجه أمام "نسور قرطاج" وضمنت المركز الأول، هاربةً من البرازيل على أنغام "إبعد عن الشر وغنّيلو".
في التوقيت نفسه، كان الصراع مستعراً بين السويد واليابان في المباراة الثانية. مواجهة بذل فيها الفريقان جهداً وعرقاً عالِمينِ بأن الفوز والتعادل يضمن الوصافة لليابان، والانتصار وحده يكفل المركز الثاني للسويد.
حرب كبيرة عاشها الطرفان طيلة الدقائق الـ90. ولكن بأيّ دافع وأيّ هدف؟ لخطف وصافة ستضع المنتصر بمواجهة مباشرة مع البرازيل في دور الـ32؟
خُيّل بأن السويد واليابان تتسابقان على ولوج "النار"، أي البرازيل التي، مهما يقال فيها، تبقى البرازيل القوية بقيادة فينيسيوس جونيور والمدرب الإيطالي المحنّك كارلو أنشيلوتي، والساعية بكل قواها إلى انتزاع لقب عزّ عليها منذ العام 2002.
بدل الهروب من "راقصي السامبا"، خاضتا حربَ فرصٍ ضائعة. اليابان لم تسعَ إلى خسارة "رابحة" تؤمن لها تأهلاً إلى دور الـ32 كواحدة من أفضل 8 منتخبات حلت ثالثة وتقيها أطماع البرازيل، ولا السويد بدت قانعة بالتعادل 1-1، لا بل سعت حتى اللحظة الأخيرة لانتزاع النقاط الثلاث كي تمنح نفسها "هدية ملغومة" تتمثل في مواجهة رجال أنشيلوتي.
في النهاية، رمت اليابان نفسها في "النار" بينما هربت السويد من الفخ وفي القلب غصّة!
سؤال يفرض نفسه: هل تُعتبر البرازيل طريدة سهلة؟ بالتأكيد لا، خصوصاً بالنسبة إلى السويد التي خاضت تصفيات أوروبية سيئة للغاية حلت فيها رابعة أخيرة في مجموعتها خلف سويسرا وكوسوفو وسلوفنيا، محققة نقطتين فقط لكنها تمسكت بخشبة خلاص. فقد خاضت الملحق قادمة من مسابقة دوري الأمم الأوروبية، وفيها تعملقت، من دون سابق إنذار، متغلبةً على أوكرانيا في نصف النهائي وبولندا بقيادة نجمها روبيرت ليفاندوفسكي في النهائي 3-2 وحجزت تذكرتها في القطار المؤدي إلى المونديال.
"الذكاء الاصطناعي"
صحيح أنّ البرازيل ليست أقوى الفرق المشاركة لكننا لسنا في "عالم المثالية" كي نترفّع عن اختيار الأنسب تحت سقف القانون. نحن في خضم بطولة كأس عالم يمثل التقدم في منافساتها إلى أبعد حد، فخراً لشعب بأكمله.
تسأل الجميع: لمَ حصل ذلك؟ تبقى الإجابة في إطار الاستغراب.
تفرغ من التفكير، فتطرق باب "الذكاء الاصطناعي" وتسأل السؤال نفسه، لعل وعسى، فيرد: "دخل منتخبا اليابان والسويد مواجهتهما المباشرة في الجولة الثالثة من دور المجموعات بعقلية احترافية، حيث لعبا من أجل الفوز وتجنب الحسابات المعقدة. ورغم معرفتهما المسبقة بأن الوصافة ستضع أحدهما في مواجهة صعبة أمام البرازيل، إلا أنهما فضلا القتال بشرف وضمان التأهل عن استحقاق بدلاً من التلاعب".
"الذكاء الاصطناعي" لم يكن مقنعاً، بل غلبت عليه محدودية التحليل المقنع وذاب في مثاليات شعرية.
محلل أوروبي أشار في تقريره إلى "تقدير كبير للمنتخب الياباني الذي يمتلك العقلية الاحترافية، فقد كسب احترام الجميع بتعادله مع السويد لأنه لم يتهرب من مواجهة البرازيل. اليابان أصبحت واحدة من كبار القوم في الكرة العالمية. منتخب الساموراي الأزرق يمتلك عقلية المنتخب البطل ولا يهاب أحداً".
حسناً. فرغنا من التحليلات "الناشفة". فلنعد إلى المواجهات المباشرة بين الفريقين علّها تؤشر إلى أمرٍ ما. اليابان حققت فوزها التاريخي الأول والوحيد على البرازيل في 14 أكتوبر 2025.
انتصار جاء بعد 13 مواجهة عجزت فيها عن الفوز. فقد قلبت تأخرها بهدفين إلى فوز مثير 3-2. لكن تلك المباراة أقيمت في إطار وديّ، وأين؟ على ملعب طوكيو الدولي.
اليوم نحن في كأس العالم، والمباراة تشكل مناسبة رسمية أسمى ستستضيفها مدينة هيوستن الأميركية. لا مجال للمقارنة.
لم يبقَ سوى انتظار الموقعة المقررة في 29 يونيو الجاري. عندها فقط قد تُبرز اليابان أنياباً مخفية وتفوز مستخدمةً "خلطة سحرية" تحوّل "الغوص في النار" إلى "انغماسٍ في النعيم".