hamburger
userProfile
scrollTop

نهر الليطاني بين اجتياحين في 1978 و2026.. وبين هزيمتين

 إسرائيل شنت أول اجتياح واسع لجنوب لبنان في 1978 (رويترز)
إسرائيل شنت أول اجتياح واسع لجنوب لبنان في 1978 (رويترز)
verticalLine
fontSize

لم يكن نهر الليطاني يومًا مجرد مجرى مائي في جنوب لبنان، بل تحوّل منذ عقود إلى خط سياسي وعسكري يفصل بين مراحل الصراع مع إسرائيل. فمنذ "عملية الليطاني" عام 1978 وحتى المعارك والتوغلات التي شهدها الجنوب عام 2026، بقي هذا النهر رمزًا لمعنى السيطرة والردع والانهيار في آنٍ. وبين الاجتياحين، تبدّل اللاعبون وتغيّرت الشعارات، لكن الجنوب بقي يدفع الثمن نفسه: احتلالا، دمارا، ونزوحا، فيما تتكرر الهزائم بأشكال مختلفة.

"منع إسرائيل من العودة إلى الليطاني"

في مارس  1978 شنّت إسرائيل أول اجتياح واسع لجنوب لبنان فيما عُرف باسم "عملية الليطاني"، بذريعة الرد على عملية "كمال عدوان" التي نفذتها المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين. تقدمت القوات الإسرائيلية حتى نهر الليطاني وسيطرت على مساحات واسعة من الجنوب، في عملية شارك فيها نحو 25 ألف جندي إسرائيلي.

كان الجنوب آنذاك يعيش حالة انهيار لبناني كامل. الدولة غائبة بفعل الحرب الأهلية، ومنظمة التحرير الفلسطينية تدير فعليًا مناطق واسعة من الجنوب، بينما كانت إسرائيل ترى في تلك المنطقة منصة مفتوحة للعمليات ضدها. لذلك لم يكن هدف الاجتياح مجرد الرد العسكري، بل فَرْضُ واقع أمني جديد جنوب الليطاني، وإنشاء منطقة عازلة تخدم الأمن الإسرائيلي لسنوات طويلة.

خلّفت عملية 1978 مئات القتلى وآلاف الجرحى، إضافة إلى نزوح عشرات آلاف اللبنانيين والفلسطينيين. كما أدت إلى صدور القرارين 425 و426 وإنشاء قوات "اليونيفيل"، في محاولة دولية لضبط الجنوب ومنع تكرار الحرب، لكن إسرائيل، على الرغم من انسحابها الجزئي لاحقًا، أبقت على "الشريط الحدودي" تحت سيطرة حلفائها المحليين، لتبدأ مرحلة احتلال طويلة انتهت فقط عام 2000.

غير أن أخطر ما في اجتياح 1978 لم يكن التوغل العسكري نفسه، بل كشفه حجم الانهيار اللبناني. فقد أثبتت الحرب أن الجنوب تحوّل إلى ساحة مفتوحة لكل القوى الإقليمية، وأن الدولة اللبنانية فقدت سيادتها الفعلية على حدودها. ولذلك اعتبر كثيرون أن هزيمة 1978 كانت هزيمة دولة أكثر منها هزيمة فصيل عسكري.

بعد ذلك بسنوات، ظهر "حزب الله" مستفيدًا من تجربة الاحتلال الإسرائيلي ومن الانهيار الفلسطيني بعد خروج منظمة التحرير من لبنان عام 1982. واستطاع الحزب، بدعم إيراني وسوري، بناء معادلة ردع جديدة انتهت بانسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000.

لكن ما بدا "انتصارًا تاريخيًا" بعد 2000 و2006 بدأ يتآكل تدريجا خلال السنوات اللاحقة. فالحزب الذي بنى شرعيته على فكرة "منع إسرائيل من العودة إلى الليطاني"، وجد نفسه بعد عقود أمام واقع مختلف تمامًا في حرب 2026.

فخلال معارك 2026، عاد اسم الليطاني إلى الواجهة بقوة. مسؤولون إسرائيليون تحدثوا علنًا عن إقامة منطقة عازلة حتى النهر، فيما توغلت القوات الإسرائيلية مجددًا في مناطق واسعة من الجنوب، وسط دمار هائل ونزوح جماعي.

اللافت أن إسرائيل في 2026 لم تتحدث فقط عن ضرب البنية العسكرية لـ"حزب الله"، بل عن إعادة تشكيل الواقع الجغرافي جنوب الليطاني. بعض التصريحات الإسرائيلية تحدثت بوضوح عن منع مئات آلاف السكان من العودة قبل ضمان "الأمن الكامل" للمستوطنات الشمالية. وهنا بدا المشهد كأنه استعادة مباشرة لخطاب 1978، ولكن في ظروف مختلفة تمامًا.

الفرق الأساسي بين الاجتياحين أن إسرائيل عام 1978 كانت تواجه منظمة التحرير الفلسطينية، فيما واجهت في 2026 حزبًا يمتلك ترسانة ضخمة. ومع ذلك، فإن نتائج الحرب كشفت تحولًا إستراتيجيًا خطيرًا: فمعادلة الردع التي تأسست بعد 2006 تعرضت لضربة قاسية، والجنوب الذي قيل إنه أصبح "محررًا ومحميًا" عاد ليشهد التوغل الإسرائيلي نفسه تقريبًا.

التاريخ يعيد نفسه على ضفاف الليطاني

هنا تظهر "الهزيمتان" اللتان يفصل بينهما نحو نصف قرن.

الهزيمة الأولى عام 1978 كانت هزيمة النظام اللبناني والحركة الوطنية الفلسطينية أمام التفوق الإسرائيلي، وفشل الدولة في حماية أرضها وحدودها. أما الهزيمة الثانية عام 2026 فكانت سقوط نظرية الردع التي قامت عليها تجربة "حزب الله" منذ عام 2000.

فالاجتياح الإسرائيلي الجديد لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كشف أن الجنوب عاد مرة أخرى ساحة مفتوحة للحرب. والأخطر أنه كشف حجم التبدل في البيئة السياسية والشعبية اللبنانية. ففي عام 1978 كان جزء كبير من اللبنانيين يرى في المقاومة الفلسطينية مشروع مواجهة مع إسرائيل، فيما ظهر في 2026 انقسام داخلي واسع حول دور "حزب الله" وحول كلفة استمرار الحرب المفتوحة مع إسرائيل. وقد انعكس ذلك حتى في النقاشات الشعبية والإعلامية اللبنانية التي ربطت بين الحرب والانهيار الاقتصادي والسياسي للدولة.

كما أن إسرائيل نفسها تغيّرت بين المرحلتين. ففي 1978 كانت تبحث عن حدود آمنة ومنع العمليات الفلسطينية، أما في 2026 فقد بدا أن هدفها أوسع: إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة كلها، بعد سنوات من المواجهة مع إيران وحلفائها.

ويبقى الليطاني في قلب هذا الصراع، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل لأنه يمثل الحد النفسي والسياسي الذي تحاول إسرائيل دائمًا الوصول إليه. فمن يصل إلى الليطاني يشعر أنه فرض معادلة جديدة على لبنان، ولهذا تحوّل النهر إلى رمز للهزيمة والانتصار معًا.

وبين 1978 و2026 تغيّر الجنوب كثيرًا: اختفت منظمة التحرير، وصعد "حزب الله"، وتراجعت الدولة أكثر، وازدادت هشاشة لبنان اقتصاديًا وسياسيًا. لكن الثابت الوحيد بقي أن الجنوب يتحول في كل مرة إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، فيما اللبنانيون يدفعون الثمن من دمهم وبيوتهم واستقرارهم.

هكذا يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه على ضفاف الليطاني. ففي عام 1978 دخلت إسرائيل إلى الجنوب تحت شعار القضاء على "الخطر الفلسطيني"، وفي عام 2026 عادت تحت شعار القضاء على "الخطر الإيراني - الحزبي". وبين الشعارين، بقي لبنان عاجزًا عن حماية أرضه أو فرض سيادته الكاملة.

وربما تكون المأساة الكبرى أن نهر الليطاني، الذي كان يفترض أن يكون رمزًا للحياة والزراعة والمياه والسيادة اللبنانية، تحوّل عبر العقود إلى خط للحروب والاجتياحات والهزائم المتكررة.