hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

حربٌ بلا أفق..

المستقبل في الخليج أصبح مشروعاً سياسياً واقتصادياً وتنموياً (رويترز)
المستقبل في الخليج أصبح مشروعاً سياسياً واقتصادياً وتنموياً (رويترز)
verticalLine
fontSize

في هذا التوقيت، ومنذ 6 أشهر، انطلقت في نهاية فبراير شرارة الحرب في المنطقة بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً غير مسبوق على الجمهورية الإسلامية في إيران، استهدف خلاله منشآت عسكرية ونووية وبعض المقرات القيادية للنظام. ومع ردّ الحرس الثوري الإيراني سريعاً باستهداف إسرائيل ودول الجوار، وإغلاق مضيق هرمز، تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، امتدت تداعياتها إلى دول المنطقة والعالم، وذلك بعدما تأثرت خطوط الإمداد والطاقة بشكل مباشر وجدي.

عندما بدأت هذه الحرب، اتجهت الأنظار بسرعة نحو واشنطن، وتحديداً إلى البيت الأبيض، لمعرفة أهداف هذه الحرب ونوايا الرئيس دونالد ترامب منها، خصوصا بعد التدخل السريع الذي قامت به قواته في فنزويلا. لكن منذ اللحظة الأولى، لم يأتِ الجواب الشافي، بل تعددت التصريحات الصادرة عن إدارة الرئيس ترامب، وتراوحت بين القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتدمير قدراته الصاروخية والعسكرية، وإضعاف النظام، وقطع أذرعه الإقليمية، وصولاً إلى دعم الشعب الإيراني في مواجهة النظام والدفع نحو تغيير سياسي في طهران.

الحرب والخيارات المجنونة..

والحقيقة أنه، منذ بداية هذه الحرب، لم يكن أحد يتوقع أن تذهب في الاتجاهات المجنونة التي ذهبت إليها. فهي، ولا شك، حرب لا منطق لها.

فأولاً، هجوم إيران على جيرانها الخليجيين واعتداءاتها المتكررة عليهم لم يكونا منطقيين أبداً، ولا يمكن تبريرهما، لا اليوم ولا غداً ولا بعد ألف عام.

فالدول الخليجية لم تكن هي من بدأ الحرب على إيران، ولم تكن طرفاً في قرار شنّ الهجوم عليها. وبالتالي، فإن تحويل أراضيها ومنشآتها ومصالحها الاقتصادية إلى أهداف عسكرية لا يمكن أن يخدم المصلحة الإيرانية، بل على العكس، يفتح جبهة إضافية كان يمكن لطهران أن تتجنبها، ويضعها في مواجهة مباشرة مع دول لطالما حاولت، رغم الخلافات السياسية، إبعاد شبح الحرب عن المنطقة.

وثانياً، فإن تحول هذه الحرب من صراع يدور حول البرنامج النووي الإيراني وقدرات إيران الصاروخية والعسكرية ومستقبل النظام السياسي في طهران، إلى صراع حول مضيق هرمز، هو أمر لا يصدق.

فمضيق هرمز لم يكن أصلاً مشكلة عند اندلاع الحرب، ولم يكن إغلاقه أو السيطرة عليه سبباً من أسبابها، ولم يكن في مقدمة الملفات التي قيل إن الحرب شُنت من أجلها. لكن بعد 6 أشهر، وجد العالم نفسه أمام حرب أصبح فيها المضيق أحد أهم عناوينها، بل إحدى أبرز أوراق الضغط المتبادلة بين واشنطن وطهران.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كيف انتقلت الحرب من أهداف وُصفت بأنها مصيرية للأمن الإقليمي والدولي، كالبرنامج النووي الإيراني ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، إلى معركة حول ممر مائي لم يكن أصلاً موضع نزاع عند بداية الحرب؟

إنها ليست مجرد مفارقة في مسار الحرب، بل دليل إضافي على غياب الرؤية الواضحة لما يجب أن تكون عليه نهايتها. فالحروب التي تبدأ بأهداف محددة يفترض أن تقود، في نهاية المطاف، إلى نتيجة سياسية واضحة. أما عندما تتغير الأولويات أثناء الحرب، وتنتقل المعركة من ملف إلى آخر، فإن ذلك يعني أن الحرب نفسها بدأت تفرض أجندتها على أطرافها، بدلاً من أن تكون الأطراف هي التي تفرض أهدافها على الحرب.

فشل المفاوضات.. والبحث عن مخرج

وأعتقد أن ما زاد هذه الحرب تعقيداً أن المسار العسكري لم يكن المسار الوحيد الذي جرى اختباره. فمنذ الأيام الأولى، بقيت المفاوضات حاضرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كمحاولة للعثور على مخرج سياسي للحرب. لكن هذه المفاوضات، رغم تعدد المبادرات والوسطاء، لم تنجح في إنتاج تسوية قابلة للحياة. ومع كل جولة تفاوضية فاشلة، كانت الهوة بين الأطراف تتسع، وكانت الحرب تدخل أكثر فأكثر في دوامة يصعب الخروج منها.

وقد بات واضحاً اليوم، مع فشل جولات المفاوضات، أن الوصول إلى اتفاق بات شبه مستحيل في ظل الشروط المتناقضة للأطراف. فالحرب التي بدأت تحت عناوين كبيرة وأهداف متعددة، باتت اليوم تبحث عن مخرج، بعدما أصبح الخروج منها أكثر تعقيداً من الدخول فيها.

وكأن الحرب تحولت من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى واقع قائم بذاته، لكل يوم فيه كلفته، ولكل تصعيد تداعياته، ولكل تراجع ثمنه السياسي والعسكري. وهنا تحضر كلمات مارتن لوثر كينغ الشهيرة بأن "الضعف النهائي للعنف هو أنه دوامة هابطة، تولّد الشيء نفسه الذي تسعى إلى تدميره."

وهكذا أصبح السؤال بعد 6 أشهر ليس فقط، من حقق أهدافه؟ بل السؤال الأهم، من يستطيع أن يخرج من هذه الحرب من دون أن يدفع ثمناً أكبر؟

وهذا بالضبط ما يجعلها حرباً بلا أفق.

6 أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا؟

اليوم وفي ظل هذا الواقع الملبد بغيوم الأزمات، لا بد من التوقف أمام 3 عبر رئيسية أفرزتها هذه الحرب، وقد تكون أهم من نتائجها العسكرية المباشرة.

أولاً: النموذج الخليجي

لعل أبرز هذه العبر حكمة ورصانة الموقف الخليجي. فقد اختارت دول الخليج، رغم تعرضها المباشر لتداعيات الحرب وخطورتها، أن تنحاز بصورة واضحة إلى التهدئة والاستقرار، وأن تضع الإنسان وأمنه وسلامته فوق أي اعتبار آخر. لم تنجرّ إلى التصعيد، ولم تسمح للاستفزازات بأن تدفعها إلى توسيع دائرة الحرب، بل تمسكت بالحوار والوسائل الدبلوماسية. وكان انحيازها واضحاً إلى السلام والاستقرار، وإلى حماية شعوبها، وإلى منع اتساع رقعة الحرب.

وفي منطقة عاشت لعقود طويلة على وقع الحروب والأزمات، فإن هذا الموقف يمثل نموذجاً يستحق التوقف عنده. خصوصا وأن الانحياز إلى الإنسان ليس ضعفاً، والتهدئة ليست تراجعاً، وضبط النفس قد يكون أحياناً أكثر شجاعة من خوض الحرب.

ثانياً: تصفير المشاكل

العبرة الثانية أن سياسة تصفير المشاكل في منطقة الخليج لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة إستراتيجية. وقد أثبتت هذه الحرب فعلياً أن أمن الخليج لا يخص دوله وحدها. فالخليج أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة والملاحة في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي.

ومن هنا، فإن فتح قنوات الاتصال مع دول الجوار، ومعالجة الخلافات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، ليس مجرد خيار لتحسين العلاقات، بل استثمار مباشر في أمن المنطقة والعالم.

فتصفير المشاكل في الخليج لا يخدم الخليجيين وحدهم؛ بل يخدم العالم كله.

ثالثاً: الرهان على المستقبل

أما العبرة الثالثة، وربما الأهم، فهي ضرورة الرهان على المستقبل. فالحروب تنتهي في النهاية، مهما طال أمدها، لكن الدول التي تراهن على المستقبل هي التي تخرج منها أكثر قدرة على حماية مصالحها وأكثر استعداداً للمرحلة التالية.

والرهان على المستقبل يعني ألا تسمح الدول للحرب بأن تحدد شكل حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لعقود مقبلة. ويعني أن تستمر في البناء والتنمية والاستثمار، حتى في أصعب الظروف، وأن تنظر إلى ما بعد الأزمة بدلاً من أن تبقى أسيرة لها.

وهنا تبدو التجربة الخليجية جديرة بالتأمل. فالمستقبل في الخليج لم يعد مجرد شعار، وإنما أصبح مشروعاً سياسياً واقتصادياً وتنموياً. والاستثمار في الإنسان، وتنويع الاقتصادات، وتطوير التكنولوجيا، وبناء علاقات دولية متوازنة، كلها تعني أن المنطقة لا تريد أن يكون مستقبلها رهينة لصراعات الماضي.

فمن يراهن على الحرب يعيش أسير الحاضر، أما من يراهن على المستقبل فيصنعه.

كيف تنتهي الحرب؟

اليوم، وبعد 6 أشهر من الحرب، لا تزال الأسئلة أكثر من الإجابات.

فأهداف الحرب لم تعد واضحة كما كانت في بدايتها، والمفاوضات لم تنجح حتى الآن في إنتاج مخرج، ومضيق هرمز تحوّل من ممر إستراتيجي إلى ورقة صراع وضغط، بينما اتسعت تداعيات المواجهة لتطال المنطقة والعالم.

لكن وسط كل هذا المشهد القاتم، ظهرت أيضاً دروس تستحق البناء عليها: حكمة خليجية انحازت إلى التهدئة والاستقرار والإنسان، ووعي متزايد بأهمية تصفير المشاكل في منطقة لا تستطيع أن تتحمل حرباً جديدة، وإرادة واضحة في الرهان على المستقبل بدلاً من الاستسلام لمنطق الصراع الدائم.

وربما تكون الرسالة الأهم بعد 6 أشهر من الحرب هي أن الانتصار الحقيقي ليس في القدرة على مواصلة الحرب، وإنما في القدرة على إنهائها.

فالحرب قد تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي دائماً بقرار.

وقد يكون أصعب قرار في الحرب هو قرار إنهائها.

وربما يكون هذا هو الأفق الذي ما زالت هذه الحرب تفتقده.. 

news_suggested_videos_في يوم المرأة الإماراتية.. مريم عبدالعزيز خانصاحب: القيادة جزء من "بنات زايد"!
play