في عالم تتّسع فيه رقعة الحروب، وتتراجع فيه فرص التسوية، وتتزايد فيه التحديات أمام النظام الدولي، تتجه الأنظار إلى نيويورك ترقّباً لاختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة. إذ إن المسألة اليوم لم تعد مجرد اختيار شخصية لقيادة منظمة دولية، بل باتت سؤالاً عن مستقبل الدبلوماسية وقدرة العالم على استعادة الحوار، واحتواء الأزمات، وصناعة السلام.
اعتبارات ترشيح الإماراتية لانا نسيبة
لم يكن مستغرباً أن تتعدد الأسماء المطروحة لهذا المنصب الرفيع، لكن اللافت كان دخول دولة الإمارات العربية المتحدة إلى السباق بترشيح لانا زكي نسيبة الذي خطف الأنظار سريعًا. فبين خبرتها الطويلة في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، ومعرفتها المباشرة بأروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والحضور الإقليمي والدولي الذي تتمتع به الإمارات، يطرح هذا الترشيح نفسه بوصفه محطة تستحق قراءة تتجاوز أبعادها البروتوكولية إلى دلالاتها الإستراتيجية.
الأكيد اليوم أن التحدي الأكبر أمام الأمين العام المقبل لن يكون في وصف الأزمات أو تكرار الدعوات إلى السلام، بل في استعادة الثقة بجدوى العمل الدولي، وتعزيز قدرة المنظمة على منع التصعيد وحماية المدنيين وتحويل التوافقات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا الإطار، يمكن التوقف عند 4 اعتبارات رئيسية في ترشيح الإماراتية لانا نسيبة:
- أولاً: خبرة دبلوماسية من داخل الأمم المتحدة
من المعلوم للجميع أن لانا نسيبة لا تأتي إلى هذا الاستحقاق من خارج المنظومة الدولية، بل من داخلها. إذ شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وهي كانت حاضرة في ملفات السلام والأمن والعمل الإنساني، وفي النقاشات التي تتطلب فهماً دقيقاً لمصالح الدول وتوازناتها، وقدرة على صياغة مواقف مشتركة في بيئة دولية شديدة التعقيد.
ومن المؤكد أن هذه الخبرة ليست تفصيلاً في السيرة المهنية، بل عنصر أساسي في فهم طبيعة المنصب. فالأمين العام لا يعمل في فراغ، ولا يملك أدوات فرض الحلول على الدول، وإنما يحتاج إلى معرفة متى يتحرك، وكيف يبني التوافق، وأين يمكن للدبلوماسية أن تفتح نافذة للحل حين تبدو الأبواب مغلقة.
وعليه، فإن ما يميز نسيبة هو الجمع بين الخبرة العملية في أروقة الأمم المتحدة، وفهم التوازنات السياسية التي تحكم قراراتها، والإلمام بالتحديات التي تواجه المنظمة في ترجمة مبادئها إلى نتائج. وفي هذه المرحلة التي تتراجع فيها الثقة بفاعلية العمل متعدد الأطراف، تصبح هذه المعرفة رصيداً قيماً يمكن البناء عليه.
- ثانياً: اللمسة الإماراتية.. من الدبلوماسية إلى القدرة على الفعل
في الحقيقة، إن أهمية ترشيح لانا نسيبة لا تقتصر على خبرتها الشخصية، بل تمتد إلى التجربة الدبلوماسية الإماراتية التي تنطلق من توسيع الشراكات، وإدارة المصالح، والبحث عن مساحات عملية للتوافق حتى في أكثر الملفات حساسية.
وقد برز ذلك جلياً خلال عضوية الإمارات في مجلس الأمن للفترة 2022 _2023، ولا سيما في الجهود التي أفضت إلى اعتماد القرار 2720 بشأن إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة في ديسمبر 2023. فعملياً هذا القرار لم يكن حلاً للأزمة، لكنه مثّل محاولة لتحويل التحرك الدبلوماسي إلى آلية عملية للاستجابة للاحتياجات الإنسانية، في ظل ظروف بالغة الصعوبة. وطبعاً، كانت نسيبة جزءاً من هذا الجهد الدبلوماسي الإماراتي.
وهنا تحديداً، تبرز أهمية اللمسة الإماراتية لهذا المنصب، فهي دبلوماسية لا تكتفي بتسجيل المواقف، بل تسعى إلى بناء الشراكات، وفتح قنوات التواصل، وتحقيق ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع. كما أنها تجربة تستمد أهميتها من قدرتها على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح إلى نتائج ملموسة، وذلك من دون التخلي عن لغة الحوار والعمل المشترك.
ولا يعني ذلك أن نقل تجربة دولة إلى الأمم المتحدة أمر ممكن أو مطلوب بحذافيره؛ فالمنظمة أوسع من أي دولة، وتعمل في سياق دولي أكثر تعقيداً. لكن الرهان الحقيقي هو أن تسهم الخبرة الإماراتية التي راكمتها نسيبة في توظيف هذه المقاربة على المستوى الدولي، وأن تمنح المنظمة الزخم والإيجابية اللذين تحتاج إليهما لاستعادة ثقة الدول والشعوب بقدرتها على الفعل.
فما هو مؤكد اليوم، أن الأمم المتحدة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى ما يعيد الاعتبار إلى قيمة التوافق والعمل المشترك. وهنا بالخصوص، يمكن للّمسـة الإماراتية التي تمثلها لانا نسيبة، بما تحمله من تصميم وأمل وإيجابية، أن تشكّل رصيداً مهماً، بل قبلة حياة لعمل دولي يواجه اليوم اختباراً صعباً لمصداقيته وفاعليته.
- ثالثاً: امرأة من منطقة تعرف كلفة الحروب
يمكن القول إيضاً، إن ترشيح نسيبة يحمل بُعداً إنسانياً وتاريخياً مهماً، إذ يتيح احتمال أن تتولى امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة للمرة الأولى، وأن تأتي القيادة من منطقة عرفت الحروب والصراعات وعانت شعوبها طويلاً تداعياتها الإنسانية. ولا تتعلق أهمية هذه الدلالة بالرمزية وحدها، بل بتوسيع فرص المشاركة في أعلى موقع قيادي داخل المنظمة الدولية.
كما أن خبرة نسيبة الدبلوماسية، إلى جانب توليها رئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2017، تضيف إلى هذا البعد التاريخي رصيداً مهنياً يتصل بقضايا المرأة ودورها في العمل الدولي. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى من يصف مآسيه فحسب، بل إلى عمل دولي يخفّف معاناة شعوبه، ويفتح أمامها آفاقاً سياسية أكثر استقراراً.
وعليه، يمكن أن يشكّل ترشيح نسيبة فرصةً للجمع بين الخبرة الدبلوماسية والمنظور الإنساني ومشاركة المرأة، في وقت يحتاج فيه العالم إلى استجابة أكثر فاعليةً لمعاناة المدنيين، وجهود متجددة لمنع النزاعات وحماية فرص السلام.
- رابعاً: من إدارة الأزمات إلى القدرة على التغيير
يدرك الجميع أن المشكلة التي تواجه الأمم المتحدة اليوم ليست نقص الدعوات إلى السلام، بل الفجوة بين القرارات والنتائج، وبين التوافقات السياسية وما يتحقق فعلياً على الأرض. فكل تأخير في التحرك قد يعني مزيداً من الضحايا، وكل اتفاق لا يُنفّذ يضعف الثقة بإمكان الوصول إلى اتفاقات أخرى.
وهنا أيضاً تبرز الحاجة إلى قيادة تتحرك مبكراً، وتستثمر قنوات الاتصال والوساطة، وتعمل على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، وتربط القرارات بخطوات عملية قابلة للتنفيذ. وهذه ليست مهمة سهلة، خصوصاً في ظل الانقسامات داخل مجلس الأمن وتضارب مصالح القوى الكبرى، لكنها تظل من صميم الدور الذي يمكن للأمين العام أن يؤديه.
وفي رؤيتها للأمم المتحدة، تختصر نسيبة هذه الفكرة بعبارة واضحة: "لم تُبنَ الأمم المتحدة لكي تتفق مع العالم، بل بُنيت لكي تساعد العالم على الاتفاق". وهي مقاربة تعيد التذكير بأن دور المنظمة ليس مجرد عكس الخلافات الدولية، بل السعي إلى إيجاد المساحات التي تسمح بتجاوزها.
كما تؤكد نسيبة أهمية أن يتحدث الأمين العام بصراحة مع جميع الحكومات، من دون أن يكون خاضعاً لأي منها. وهذه الاستقلالية ليست شعاراً، بل شرط أساسي لبناء الثقة، خصوصاً حين تتطلب الوساطة مخاطبة الأطراف المختلفة بوضوح، والعمل مع الجميع من دون استثناءات أو محاباة.
ولا يعني ذلك أن أميناً عاماً واحداً يستطيع إصلاح النظام الدولي بمفرده؛ فالنجاح يظل رهناً بإرادة الدول الأعضاء. لكن القيادة تستطيع التحرك مبكراً، وتحديد الأولويات، واستخدام أدوات الوساطة، وإبقاء فرص الحل مفتوحة. ومن هنا، فإن الرهان على نسيبة هو رهان على خبرة دبلوماسية مرنة يمكن توظيفها لجعل الأمم المتحدة أكثر مبادرة وفاعلية، وربط قراراتها بنتائج ملموسة يشعر بها الناس.
قيادة تعيد للدبلوماسية معناها
في الختام، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت لانا نسيبة تمتلك سيرة دبلوماسية تؤهلها للمنافسة على منصب الأمين العام للأمم المتحدة؛ فسجلها المهني يمنح ترشيحها أساساً جدياً للنقاش. لكن السؤال الأهم هو قدرتها على تحويل هذه الخبرة إلى قيادة مستقلة وفاعلة، تعيد وصل المنظمة الدولية بتطلعات الشعوب، وتمنح الدبلوماسية قدرة أكبر على وقف النزاعات وفتح مسارات السلام.
إن ترشيحها يتيح فرصة للتفكير في نموذج حديث من القيادة يجمع بين الخبرة متعددة الأطراف، والقدرة على بناء التوافقات، والإيمان بأن التغيير يبدأ أحياناً بخطوات عملية صغيرة. فالأمم المتحدة تحتاج اليوم إلى قيادة تعيد المعنى إلى العمل الدولي، وتجعل الحوار طريقاً إلى التفاهم، والتفاهم مدخلاً إلى الحلول، والحلول بداية لتغيير يشعر به الإنسان في حياته وأمنه وكرامته.
وهذا، باعتقادي، ما يميز ترشيح الإماراتية لانا زكي نسيبة، الجمع بين الخبرة الدبلوماسية واللمسة الإماراتية، وبين الأمل في تجديد العمل الدولي والطموح إلى قيادة تعيد للدبلوماسية معناها، في مرحلة يحتاج فيها العالم إلى من لا يكتفي بوصف الأزمات، بل يسعى إلى فتح الطريق نحو حلولها.



