hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

تحالفات جديدة أم منظومة أمن خليجية أكثر فاعلية؟

فراس النعسان يطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط
فراس النعسان يطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط
verticalLine
fontSize

يطرح تحالف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، سؤالا يتجاوز الدول الثلاث والاتفاق الذي جمعها: هل تحتاج منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى مزيد من الترتيبات الأمنية الجديدة، أم إنّ الأولوية ينبغي أن تكون لتطوير منظومة أمن خليجية أكثر فاعلية وقدرة على التعامل مع التحديات المتغيرة؟

ترتيبات أمنية جديدة

السؤال يأتي في ظل بيئة أمنية شهدت خلال الأعوام الماضية تحولات متسارعة، وتعرضت منشآت حيوية وطرق ملاحة ومصالح اقتصادية لتهديدات وهجمات، فيما تداخلت الأزمات الإقليمية بصورة جعلت من الصعب الفصل بين أمن الخليج والتطورات الأوسع في الشرق الأوسط.

وفي مثل هذه البيئة، تلجأ الدول إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية وتوسيع دائرة علاقاتها الدفاعية. ويأتي تحالف مكة في هذا السياق، باعتباره ترتيبا جديدا بين 3 دول ذات قدرات عسكرية وخبرات مختلفة، فيما سيبقى مدى تأثيره مرتبطا بطبيعة التعاون الذي ستقرره الدول الثلاث وحدوده.

فالسعودية تمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا وعسكريا كبيرا، وتركيا لديها قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، فيما تمتلك باكستان جيشا كبيرا وخبرة طويلة في المجالات العسكرية والأمنية. ويتيح اختلاف هذه القدرات مجالات متعددة للتعاون، لكنّ ترجمتها إلى إطار عملي، ستتوقف على طبيعة التفاهمات التي ستنشأ بين الدول الثلاث.

غير أنّ ذلك يطرح سؤالا أكثر ارتباطا بأمن الخليج: هل تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى ترتيبات أمنية جديدة خارج الإطار الخليجي، أم إلى تطوير آلياتها الجماعية القائمة لتصبح أكثر قدرة على التعامل مع التحديات؟

فدول الخليج تشترك في الجغرافيا والممرات البحرية والمنشآت النفطية والطاقة وسلاسل التجارة، كما أنّ التطورات الأمنية في أيّ جزء من المنطقة، يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على بقية دولها. وهذه المعطيات تجعل التعاون الخليجي المباشر عنصرا أساسيا في أيّ نقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي.

ومن هذه الزاوية، لا يتعارض تعزيز منظومة الأمن الخليجي بالضرورة مع إقامة شراكات مع دول أخرى. فقد تتجه دول الخليج إلى تطوير قدراتها وآليات التنسيق في ما بينها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية والدفاعية مع دول إقليمية ودولية مختلفة.

وقد يكون هذا النهج أكثر مرونة من حصر الخيارات في تحالفات مغلقة. فالتعاون الأمني يمكن أن يأخذ أشكالا متعددة، من التدريب وتبادل المعلومات، إلى حماية الملاحة والبنية التحتية الحيوية والتعاون في التقنيات الدفاعية، من دون أن يتحول بالضرورة إلى اصطفاف سياسي أو عسكري في مواجهة طرف آخر.

وفي المقابل، فإنّ تعدد الترتيبات الأمنية لا يعني تلقائيا مزيدا من الاستقرار. فقد تسهم زيادة التنسيق والقدرات في التعامل مع بعض المخاطر، لكنها قد تؤدي أيضا إلى تعقيد المشهد إذا تحولت إلى محاور متنافسة أو ارتبطت بمواقف سياسية متعارضة.

تعزيز القدرات الدفاعية

وهنا تكمن إحدى المسائل الرئيسية التي ستواجه أيّ ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة: كيف يمكن تعزيز القدرات الدفاعية للدول من دون إنتاج بيئة إقليمية أكثر استقطاباً؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في منطقة تتداخل فيها ملفات عديدة، من أمن الخليج والملاحة والطاقة، إلى التوترات بين إيران وإسرائيل، والأزمة الأميركية الإيرانية، وتداعيات النزاعات الإقليمية المختلفة. وفي مثل هذه البيئة، قد تكون قنوات الاتصال والحوار وخفض التصعيد جزءا من الأمن، بقدر ما هي القدرات العسكرية.

كما أنّ مفهوم الأمن نفسه يتغير. فالهجمات السيبرانية، وحماية شبكات الطاقة والاتصالات، وأمن سلاسل الإمداد والمنشآت الحيوية، أصبحت جميعها جزءا من الحسابات الأمنية للدول. وهذه الملفات يمكن أن تشكل مجالات للتعاون الخليجي المباشر، وكذلك للشراكات مع دول تمتلك خبرات متقدمة فيها.

ومن هنا، قد يكون من المفيد النظر إلى تحالف مكة باعتباره أحد المؤشرات على إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في المنطقة، لا باعتباره نموذجا نهائيا لما يجب أن تكون عليه هذه العلاقات.

فالدول الثلاث الموقّعة على الاتفاق، لديها حسابات ومصالح مختلفة، كما أنّ دول الخليج نفسها ليست متطابقة في رؤيتها لجميع القضايا الإقليمية والدولية. ولذلك فإنّ أيّ ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، ستحتاج إلى إدارة الاختلافات بقدر حاجتها إلى تحديد المصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، يبقى تطوير منظومة أمن خليجية أكثر فاعلية، مسارا قائما بذاته، بغضّ النظر عن الترتيبات التي تنشأ خارجها. ويمكن لهذه المنظومة أن تتطور في مجالات الإنذار المبكّر، والدفاع الجوي والصاروخي، وأمن الملاحة، وتبادل المعلومات، والاستجابة للأزمات، وحماية البنية التحتية الحيوية.

كما يمكن أن تتكامل هذه المنظومة مع شراكات أوسع، بدلا من أن تكون في منافسة معها. فالشراكات مع دول إقليمية أو قوى دولية، لا تعني بالضرورة التخلي عن الإطار الخليجي، كما أنّ تعزيز العمل الخليجي المشترك لا يعني الانغلاق أمام التعاون الخارجي.

الأمن الإقليمي لا يرتبط بعدد الاتفاقات

وربما تكون هذه المقاربة أكثر ملاءمة لطبيعة المنطقة، حيث تختلف مصادر التهديد من مرحلة إلى أخرى، وتختلف معها احتياجات الدول. فبدلا من بناء منظومة أمنية تقوم على محور واحد أو مجموعة محاور متقابلة، يمكن أن تتشكل شبكة من الشراكات المتداخلة، مع بقاء أمن الخليج في إطار مؤسساته الإقليمية.

وفي النهاية، فإنّ السؤال الذي يطرحه تحالف مكة، لا يتعلق فقط بمستقبل الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان، بل بمستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة بأكملها.

هل ستتجه دول الشرق الأوسط إلى مزيد من التحالفات الأمنية المنفصلة، أم ستعمل على تطوير الأطر الإقليمية القائمة بالتوازي مع تنويع شراكاتها الخارجية؟

لا تبدو الإجابة محسومة بعد. لكنّ الواضح أنّ المرحلة المقبلة ستفرض على دول المنطقة إعادة النظر في كيفية إدارة أمنها، ليس فقط من خلال بناء القدرات، وإنما أيضا عبر تطوير آليات التنسيق والحوار، وتجنب تحول التعاون الأمني إلى اصطفافات جديدة.

فالأمن الإقليمي لا يرتبط بعدد الاتفاقات والتحالفات التي يتم الإعلان عنها، بقدر ما يرتبط بقدرة الدول على حماية مصالحها، وإدارة خلافاتها، والحفاظ على قنوات الاتصال، وبناء ترتيبات تقلل احتمالات الصدام بدلا من أن تزيدها.

news_suggested_videos_بكين تفاجئ الكوكب.. طريق غير متوقع يتفادى تهديدات إيران وقراصنة البحار
play