hamburger
userProfile
scrollTop

"المونديال اللبناني": "حزب الله" خارج النهائيات

 الخطاب السياسي اللبناني بدأ يشهد عودة قوية لفكرة الدولة المركزية ومؤسساتها الشرعية (رويترز)
الخطاب السياسي اللبناني بدأ يشهد عودة قوية لفكرة الدولة المركزية ومؤسساتها الشرعية (رويترز)
verticalLine
fontSize

في عالم كرة القدم، لا يكفي أن يكون الفريق بطلاً في الماضي كي يضمن مكانه في النهائيات المقبلة. فالتاريخ يمنح الهيبة، لكنه لا يمنح النقاط. والفِرق التي لا تواكب التحولات، مهما بلغت قوتها، تجد نفسها عاجلاً أم آجلاً خارج المنافسة. هذا التشبيه يختصر إلى حد كبير المشهد اللبناني الراهن، حيث يبدو أن "حزب الله"، الذي كان لعقود اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية، يواجه اليوم مرحلة غير مسبوقة من التراجع السياسي والإستراتيجي، وكأنه خرج من "المونديال اللبناني" قبل بلوغ الأدوار النهائية.

"حزب الله" فقد قدرته

على مدى أكثر من 20 عاماً وأكثر، نجح الحزب في تثبيت نفسه باعتباره القوة الأكثر تأثيراً في لبنان. فقد جمع بين القوة العسكرية والاستخباراتية والتنظيم السياسي والامتداد الشعبي والدعم الإقليمي من إيران، ما مكّنه من فرض تأثيره على الحياة السياسية اللبنانية. من انتخاب رؤساء الجمهوريات إلى تشكيل الحكومات، ومن رسم السياسات الأمنية إلى التأثير في القرارات الإستراتيجية، كان الحزب حاضراً باعتباره اللاعب الذي لا يمكن تجاوزه.

لكن المشهد الذي ساد بعد عام 2005 يختلف جذرياً عن المشهد الذي يتشكل اليوم. فالمنطقة بأسرها تشهد تحولات عميقة، ولبنان لم يعد الساحة ذاتها التي عرفها الحزب في العقدين الماضيين. فالمعادلات التي بنى عليها نفوذه تتعرض اليوم لضغوط داخلية وخارجية متزايدة، فيما تبدو البيئة الإقليمية أقل قدرة على توفير الغطاء الذي اعتاد الإفادة منه.

أحد أبرز مؤشرات هذا التراجع يتمثل في تبدل المزاج العام داخل لبنان. فالأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ عام 2019 أعادت ترتيب أولويات اللبنانيين. لم تعد الشعارات الإيديولوجية أو الصراعات الإقليمية تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الناس، بل أصبحت الأولوية للإنقاذ الاقتصادي واستعادة الدولة ومؤسساتها. وفي هذا السياق، بات جزء متزايد من اللبنانيين ينظر إلى سلاح الحزب ودوره الإقليمي باعتبارهما عاملين يساهمان في عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي ويزيدان من تعقيد أزماته.

كذلك، فإن صورة الحزب بصفته "حركة مقاومة" لم تعد تحظى بالتأييد ولو النسبي الذي تمتعت به في مراحل سابقة. فالتدخل في الحرب السورية، والانخراط العميق في المحور الإيراني، والانخراط في صراعات إقليمية متعددة، أدت إلى إعادة تعريف موقع الحزب في نظر شرائح واسعة من اللبنانيين والعرب، وأصبح يُنظر إليه من قبل خصومه كجزء من مشروع إقليمي أوسع تتجاوز أولوياته الحدود اللبنانية.

في الوقت نفسه، تواجه إيران نفسها تحديات كبيرة تحدّ من قدرتها على إدارة نفوذها الإقليمي بالفعالية ذاتها التي عرفتها في السنوات الماضية. فالعقوبات والضغوط السياسية والعسكرية والتغيرات في موازين القوى الإقليمية دفعت العديد من حلفاء طهران إلى إعادة حساباتهم. وفي لبنان، انعكس ذلك على الحزب الذي بات مضطراً للتعامل مع بيئة أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.

أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن الحزب لم يعد يمتلك القدرة نفسها على فرض خياراته. فالتوازنات اللبنانية أصبحت أكثر تشابكاً، كما أن القوى السياسية الأخرى باتت أكثر جرأة في مواجهة مشروعه السياسي. وحتى عندما ينجح في تعطيل بعض المسارات أو التأثير في بعض القرارات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على رسم الاتجاه العام للدولة كما كان يفعل سابقاً.

ومن اللافت أيضاً أن الخطاب السياسي اللبناني بدأ يشهد عودة قوية لفكرة الدولة المركزية ومؤسساتها الشرعية. فبعد سنوات طويلة من القبول الضمني بازدواجية السلطة بين الدولة والحزب، عاد النقاش بقوة حول ضرورة حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية. ورغم أن تحقيق هذا الهدف لا يزال بعيد المنال، فإن مجرد تحوله إلى عنوان رئيسي في النقاش الوطني يعكس حجم التغيير الذي طرأ على المشهد السياسي.

"المونديال اللبناني"

في المقابل، يواجه الحزب تحدياً آخر يتمثل في الجيل اللبناني الجديد. فالشباب الذين نشأوا في ظل الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية وتراجع الخدمات الأساسية ينظرون إلى الواقع من زاوية مختلفة. بالنسبة لكثيرين منهم، لم تعد القضايا التقليدية كافية لتبرير استمرار الأزمات المتراكمة. وهم يطالبون بدولة قادرة على توفير فرص العمل والاستقرار والازدهار، أكثر مما يهتمون بصراعات المحاور الإقليمية.

كل هذه العوامل لا تعني أن "حزب الله" انتهى أو فقد تأثيره بالكامل. فما زال يمتلك قاعدة شعبية وقدرات عسكرية، ولو أقل بما كان عليه،. لكن الفارق الأساسي هو أن الحزب لم يعد اللاعب الوحيد القادر على تحديد نتيجة المباراة. لقد انتقل من موقع الفريق الذي يهيمن على البطولة إلى موقع الفريق الذي يكافح للحفاظ على مكانه بين الكبار.

ومن هنا تأتي رمزية عنوان "المونديال اللبناني". ففي البطولات الكبرى، لا يكفي الوصول إلى النهائيات مرة واحدة للبقاء فيها إلى الأبد. المطلوب هو التكيف المستمر مع المتغيرات، وقراءة التحولات، وإعادة بناء الإستراتيجيات وفق الوقائع الجديدة. ويبدو أن لبنان يعيش اليوم نسخة سياسية من هذه القاعدة الرياضية، حيث تتغير موازين القوى وتتبدل قواعد اللعبة بصورة متسارعة.

إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان "حزب الله" سيختفي من الحياة السياسية اللبنانية، فذلك أمر غير واقعي في المدى المنظور، بل السؤال هو ما إذا كان سيتمكن من إعادة تعريف دوره بما ينسجم مع لبنان الجديد الذي يتشكل تدريجاً. لبنان الذي يبحث عن الاستقرار الاقتصادي والانفتاح العربي والدولي واستعادة مؤسسات الدولة، يفرض تحديات مختلفة عن تلك التي عرفها الحزب في العقود الماضية.

في النهاية، قد يكون الوصف الأدق للمرحلة الحالية هو أن الحزب يمر بأصعب اختبار منذ نشأته. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي للفوز في "المونديال اللبناني"، كما أن النفوذ الإقليمي لم يعد الضمانة التي كان عليها سابقاً. والبطولة التي كان الحزب أحد أبرز نجومها لعقود تبدو اليوم مفتوحة على لاعبين جدد وقواعد جديدة وموازين مختلفة.

وفي السياسة كما في كرة القدم، هناك فرق تعتقد أن تاريخها سيحميها إلى الأبد، ثم تكتشف أن الجمهور تغيّر، والملعب تغيّر، وقوانين اللعبة تغيّرت. وعندما يحدث ذلك، قد يجد حتى أقوى الفرق نفسه خارج النهائيات، يراقب من المدرجات بطولة كان يوماً سيدها الأول.