الزمن تحوّل. لم يعد سقوط "منتخبات كبيرة" في عالم كرة القدم مفاجئا، مهما اختلفت المناسبة، رسمية كانت أم ودّية.
إيطاليا تستسلم على أرضها. ألمانيا تنطلق بأداء "فقير" مع يورغن كلوب. البرازيل تعاني لخطف التعادل من أستراليا. فرنسا تتجاوز "اختبار تركيا" بصعوبة. إنكلترا تخسر، وإنْ أمام إسبانيا، في "ويمبلي".
هوية ضائعة
في افتتاح مبارياته ضمن دوري الأمم الأوروبية، لم يعطِ المنتخب الإيطالي مؤشرا على تحسّن ما، بقيادة المدرب العائد روبرتو مانشيني. أداء سيّئ وضعف شخصية. مأساة اكتملت بهزيمة مدوية في روما أمام منتخب بلجيكي بدا أكثر حيوية ورغبة.
صعوباتٌ عانى منها الطليان في مجاراة النسق السريع للخصم. أما الدفاع، الذي لطالما شكل مصدر قوة، فقد ظهر قابلا للاختراق عند كل "مرتدة". هزيمة كشفت عجزا هجوميا وغياب الحلول الإبداعية في الوسط.
الحارس الإيطالي السابق جيانلويجي بوفون، وضع الإصبع على الجرح قبل فترة: "لمدة 20 عاما، كنا خجولين من هويتنا. شعرنا بأنّ علينا اللعب مثل إسبانيا، فتخلينا عن جذورنا. ولهذا السبب، اختفت المواهب".
و"الجذور" هنا تعني الهوية التي خُدشت نتيجة "تقليد الغير"، تحديدا أسلوب "تيكي تاكا" القائم على الدفاع المتقدم والتمرير القصير المتكرر. بوفون يرى بأنّ القوة التاريخية لإيطاليا بُنيت على الدفاع المستميت، التلاحم البدني، والواقعية الصارمة في سبيل النتيجة، مشيرا إلى أنّ المعايير الحديثة دمرت مراكز كلاسيكية: "مدافع مثل جورجيو كييليني لن يجد مكانا في كرة القدم اليوم، لأنه لا يمرر كرات تخترق الخطوط. الأكاديميات تخجل من تخريج مدافعين يتقنون الرقابة والالتحامات".
وفي ضوء الأداء أمام بلجيكا، بدا جلّيا بأنّ إيطاليا لم تتعلم شيئا من فشلها في التأهل إلى كأس العالم 3 مرات متتالية (2018 و2022 و2026)، والأخطر ألّا يكون هناك فعليا ما يمكن القيام به لإنقاذ السفينة مستقبلا.
تخبّط فنّي
لا تبدو ألمانيا بعيدة عن إيطاليا. واصلت النزيف الممتد من 2018 بتعادل باهت مع هولندا 1-1 في دوري الأمم الأوروبية أيضا.
نتيجة جيدة على الورق أمام منتخب كبير، وأين؟ في أمستردام، وفي الاختبار الأول لكلوب مع "ناسيونال مانشافت". المشكلة لا تكمن في حجم التخبط الفني ولا العجز عن الحفاظ على التقدم والاستسلام للتعادل في الوقت بدل الضائع، بل في قدرة اللاعبين على تطبيق فكر كلوب القائم على "الضغط العكسي الخانق". أسلوب ضمن به المدرب الألماني إعادة ليفربول الإنجليزي إلى التألق، بيد أنه يحتاج إلى وقت طويل لترسيخه مع منتخب لا يلتقي بلاعبيه إلا نادرا.
من جهتها، تعيش البرازيل موقفا محيّرا بين ضرورة العودة إلى سلاح المهارة والجرأة، وبين التمسك بالواقعية التي يحمل لواءها المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي.
مونديال 2026 لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من تخبطات أبعدت المنتخب عن منصة التتويج العالمي 24 سنة.
"راقصو السامبا" سقطوا ودّيا في فخ التعادل أمام أستراليا في كوينزلاند. استحواذ تام على الكرة ومحاولات متكررة لفك التكتلات الدفاعية. ورغم ذلك، بقي "المنتخب الأصفر" عاجزا في الثلث الأخير ولم "يسرق" التعادل إلا في الدقيقة الـ5 من الوقت بدل الضائع. سؤال كبير فرض نفسه: إلى أيّ درجة تصل قدرة الجيل الحالي على تحمل ضغوط إعادة الهيبة للبرازيل، التي تعاني أمام منافسين منظَّمين دفاعيا؟
أنشيلوتي أعلن، بعَيد الخروج من دور الـ 16 لكأس العالم، بأنه "لا أعتقد أنّ هذه هي النهاية، بل بداية دورة جديدة". كلام مشجع، لكنّ الحقيقة أنّ البرازيل عاجزة تماما عن إيجاد نقطة انطلاق صحية. وإن وُجدت، فإنّ مباراة أستراليا لم تكن بالتأكيد تلك النقطة.
حقل ألغام
وعبرت فرنسا حقل ألغام بـ"فوز قيصري" على تركيا في إزميت ضمن دوري الأمم الأوروبية.
واجه "الديوك"، بقيادة المدرب الجديد زين الدين زيدان، خصما عنيدا أغلق المنافذ وكشف فجوات تكتيكية في صناعة اللعب. وحدها الخبرة الفردية والتبديلات المتأخرة ساهمت في خطف هدف الفوز.
من جانبها، تعرضت إنكلترا لصفعة، وإنْ من إسبانيا بطلة أوروبا والعالم، بعدما خسرت أمامها في لندن. لم تكفِ ترسانة النجوم والأسماء الرنانة منتخب "الأسود الـ3"، إذ جاء الأداء خاليا من الروح والاستقرار. أخطاء دفاعية ساذجة كلّفت هدفين، في حين فشل خط الهجوم في اختراق جدار الخصم بسهولة. والمحصلة خسارة بنتيجة 2-3، ما يفتح الباب مجددا أمام ضرورة تقييم خيارات الجهاز الفني بقيادة الألماني توماس توخيل.
تطور هائل
النتائج الأخيرة لمعظم المنتخبات الكبرى، تؤكد تقلّص الفوارق التكتيكية مع "الفرق المتوسطة" التي أصبحت بفضل تطور أساليب التحليل الفني والبيانات، قادرة على تطبيق تكتلات دفاعية صارمة وضغط عالٍ منظم وتحولات هجومية سريعة.
ثمة هشاشة لافتة في الخطوط الخلفية لدى المنتخبات الكبرى، نتيجة قلة المواهب الدفاعية مقارنة بالأجيال السابقة.
وفي ظل ندرة المهاجم القناص وصانع الألعاب الكلاسيكي، بات الاعتماد منصبّا على لاعبي الأطراف والأدوار التكتيكية، ما أفقد منتخبات عريقة عدة، الحلول الفردية المبتكرة داخل منطقة الجزاء.
المنتخب البرازيلي، على سبيل المثال، يُهاجَم لمحاولته محاكاة المدرسة الأوروبية التكتيكية الجافة، لكنّ كثيرين يغفلون بأنّ خروج المواهب الشابة من أميركا الجنوبية في سن مبكّرة للعب في "القارة العجوز"، يؤدي إلى فصلها عن الهوية الكروية الوطنية.
بعد كأس العالم الأخيرة، قررت معظم المنتخبات الكبرى تغيير جلدها واعتماد مدربين جدد. هذه مشكلة مركزية تفرض غياب الاستقرار الفني، خصوصا لفرق تعيش مرحلة انتقالية تستلزم بناء جيل جديد متجانس، وتأسيس منظومة قادرة على مواكبة العصر.
يقضي المدربون في الأندية الكبرى سنوات في بناء منظومة وتطوير لاعبين، في حين أنّ مدرب المنتخب مهدد بالإقالة بعد كل بطولة مجمعة، ما يمنعه من بناء مشروع حقيقي طويل الأجل.
الأندية المرموقة تحوّلت "آلات تكتيكية فائقة التنظيم"، بفضل المال والوقت والعمل اليومي، في حين باتت المنتخبات تعتمد بشكل أكبر على الروح الوطنية، والارتجال، والمهارة الفردية للاعبين مُجهَدين بدنيا بفعل منافسات الأندية.
لغة المال
واقع كرة القدم تغيّر بشكل جذري، خصوصا بعد الأهمية التي اكتسبتها مسابقة دوري أبطال أوروبا.
لغة المال هي الحاكمة في صراع الأندية، بينما تبقى "كرة المنتخبات" أكثر وفاءً لـ "بساطة" اللعبة، حيث لا مجال لعقد صفقات ضخمة مع لاعبين، فارتداء الزيّ الوطني، بالمبدأ، فخر لأيٍّ كان.
الدراسات أثبتت أنّ مباريات الأندية تُلعب بسرعة ونسق أعلى (نحو 1.64 متر في الثانية) مقارنة بالمنتخبات (1.45). ونتيجة ضيق الوقت، يضطر مدربو المنتخبات لتطبيق أساليب تكتيكية "أكثر بساطة وحذرا"، بينما يعتمد مدربو الأندية أفكارا معقدة جدا مثل الضغط العكسي الخانق والتحولات الهيكلية المركبة.
المقارنة بين شعبية مسابقات الأندية والمنتخبات، تعتمد على زاوية قياس محددة: الارتباط الأسبوعي يميل بوضوح للأندية، بينما نِسَبُ المشاهدة القياسية والانتشار العالمي تميل نحو المنتخبات بشكل غير قابل للمقارنة.
وكشف أحد استطلاعات الرأي في أوروبا، بأنّ 62.75% من المشجعين يشعرون بـ"ارتباط وتفاعل أكبر" مع مباريات أنديتهم المحلية، مقابل 10.83% فقط فضلوا المنتخبات، في حين عبّر 26.42% عن حبهم للاثنين بالتساوي.
ولدى السؤال عن الانتصار الأكثر أهمية، أبدى 61.96% تفضيله رؤية ناديه يفوز بمباراة على حساب منتخب بلاده (14.13% فقط).
تراجُعُ مستوى منتخبات كبرى وميلُ جمهور كبير نحو "تفضيل النادي"، يشكلان الواقعَ الحالي لعالم كرة القدم. وربما تبقى قشور الحنين إلى ماضي كؤوس العالم راسخة في مواجهة أموال دوري الأبطال وحروب الأندية.. إلى حين.



