الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله اغتالته إسرائيل في 27 سبتمبر 2024 في عملية أطلقت عليها اسم "النظام الجديد".
حرب نقطة التحول الكبرى
في 27 سبتمبر 2026، تمر سنتان على الاغتيال. عامان كانا كافيين لإحداث تحولات عميقة في المشهد اللبناني والإقليمي، إلى درجة دفعت كثيرين إلى اعتبار أن إيران فقدت خلالهما أهم أدوات نفوذها في لبنان، بعد مسيرة بدأت مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه من ولادة "حزب الله" وتحوله تدريجاً إلى القوة العسكرية والسياسية الأكثر تأثيراً في البلاد.
على مدى أكثر من 4 عقود، لم يكن "حزب الله" بالنسبة إلى إيران مجرد حليف سياسي أو عسكري. كان المشروع الأنجح لتصدير النفوذ الإيراني خارج الحدود. فمن خلال الحزب، تمكنت طهران من بناء حضور مباشر في قلب المشرق العربي، ومن امتلاك ورقة ضغط إقليمية استخدمتها في صراعاتها ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة.
لكن السنوات التي سبقت اغتيال نصر الله شهدت تآكلاً متدرجاً في هذا النفوذ. فقد دخل لبنان في انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجعت صورة "حزب الله" لدى شرائح واسعة من اللبنانيين الذين رأوا أن سلاحه لم يعد مرتبطاً فقط بمواجهة إسرائيل، بل أصبح جزءاً من معادلة داخلية عطلت قيام الدولة وأدخلت البلاد في عزلة عربية ودولية متزايدة.
جاءت حرب 2024 لتشكل نقطة التحول الكبرى. فقد تعرض الحزب لسلسلة ضربات قاسية استهدفت بنيته القيادية والعسكرية، قبل أن تبلغ ذروتها باغتيال نصر الله نفسه في عملية إسرائيلية اعتبرتها تل أبيب ضربة إستراتيجية لمحور إيران في المنطقة. وتشير التقارير إلى أن العملية جاءت بعد اختراق استخباراتي عميق مكّن إسرائيل من تحديد مكان اجتماع القيادة العليا للحزب واستهدافها.
لم يكن نصر الله مجرد أمين عام للحزب. كان الرمز والمرجعية وصاحب القرار النهائي. وعلى مدى أكثر من 30 عاماً، نجح في الإمساك بخيوط التنظيم السياسية والعسكرية والأمنية. لذلك لم يكن غيابه حدثاً عادياً يمكن تعويضه بتعيين أمين عام جديد، فقد الحزب الشخصية التي جمعت بين الشرعية العقائدية والكاريزما الشعبية والخبرة العسكرية والعلاقات الإقليمية.
ومع غياب نصر الله، بدأت تظهر أزمة القيادة داخل الحزب. فالمنظومة التي بُنيت حول شخص واحد وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف دورها وأولوياتها. ولم يعد القرار اللبناني المتصل بالحزب يُصنع بالسهولة نفسها التي كان يُصنع بها في السنوات السابقة.
البيئة اللبنانية نفسها لم تعد كما كانت
أما إيران، فقد وجدت نفسها أمام واقع مختلف. فالرجل الذي شكّل لعقود الذراع الأكثر فعالية لمشروعها الإقليمي لم يعد موجوداً. والأهم أن البيئة اللبنانية نفسها لم تعد كما كانت. فالتوازنات الداخلية تبدلت، والقوى السياسية التي كانت تتجنب مواجهة الحزب أصبحت أكثر جرأة في الدفاع عن فكرة حصرية السلاح بيد الدولة. كما أن جزءاً كبيراً من الرأي العام اللبناني بات يعتبر أن استعادة الدولة لقرارها السيادي شرط أساسي للخروج من أزمات البلاد المتراكمة.
وفي الوقت نفسه، واجهت طهران تحديات متزايدة في ساحات أخرى من المنطقة، ما جعل قدرتها على التركيز على الملف اللبناني أقل مما كانت عليه في العقود الماضية. فالنفوذ الذي بُني خلال 40 عاماً يحتاج إلى موارد مالية وعسكرية وسياسية ضخمة للحفاظ عليه، بينما كانت الأولويات الإيرانية تتغير تحت ضغط التطورات الإقليمية والدولية.
بعد سنتين على اغتيال نصر الله، يصعب القول إن إيران خرجت نهائياً من لبنان. فما زالت تمتلك حلفاء وأدوات تأثير وعلاقات متجذرة داخل المجتمع والسياسة. لكن من الصعب أيضاً إنكار أن لبنان لم يعد الساحة نفسها التي عرفتها طهران منذ عام 1982. فالمعادلة التي قامت على وجود قيادة قوية لـ"حزب الله"، وعلى امتلاك الحزب تفوقاً عسكرياً وسياسياً واضحاً على خصومه، تعرضت لاهتزاز عميق.
لهذا السبب يرى كثير من المراقبين أن اغتيال نصر الله لم يكن مجرد عملية عسكرية استهدفت قائداً حزبياً، بل كان حدثاً مفصلياً أعاد رسم موازين القوى في لبنان والمنطقة. فالرأس الذي قاد المشروع الإيراني في لبنان لأكثر من 3 عقود سقط، والذراع التي مثلت أهم أدوات النفوذ الإيراني تعرضت لأقسى اختبار في تاريخها.
لبنان يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة
بعد سنتين، لا يزال لبنان يعيش مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة. لكن الثابت أن صفحة كاملة من تاريخ النفوذ الإيراني في البلاد قد طويت مع اغتيال حسن نصر الله. أما الصفحة الجديدة، فما زالت تُكتب فصولها، وسط صراع بين من يريد لبنان دولة طبيعية تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، ومن يتمسك بالمعادلات التي حكمت البلاد منذ مطلع الثمانينيات.
أطلقت إسرائيل على عملية اغتيال حسن نصر الله، اسم "النظام الجديد" (Operation New Order). وقد أعلن الجيش الإسرائيلي هذا الاسم رسميًا بعد العملية، وقال إنها استهدفت المقر المركزي لـ"حزب الله" تحت الأرض في حارة حريك.
وجاءت العملية ضمن الحملة العسكرية الإسرائيلية الأوسع في لبنان التي حملت اسم "سهام الشمال" (Northern Arrows)، واستندت العملية إلى معلومات استخباراتية دقيقة حول وجود نصر الله وعدد من كبار قادة "حزب الله" في مقر القيادة وقت تنفيذ الضربة.
أما دلالة اسم "النظام الجديد"، فقد فُسّرت في الإعلام الإسرائيلي على أنها إشارة إلى سعي إسرائيل لإحداث تغيير جذري في ميزان القوى على الجبهة مع لبنان بعد استهداف رأس قيادة "حزب الله".
عمليًا، بدأ التغيير الجذري بغياب الرأس وشل الذراع.



