يجتمع الوفد اللبناني بقيادة السفير سيمون كرم بنظيره الإسرائيلي في العاصمة الأميركية واشنطن، يومي الخميس والجمعة، لإجراء جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين، ستنطلق المحادثات من نقطة النهاية، أي التوافق الحاصل على العيش بسلام بين دولتين تتمتع كل منهما بسيادة كاملة على أراضيها، التي تفصلها الحدود الدولية عن أراضي جارتها. على أن الاختلاف بين الطرفين سيكون في تراتبية الخطوات المطلوبة للتوصل إلى هذا السلام المتوافق عليه.
حكومتا لبنان وإسرائيل تتفقان على ضرورة تسليم "حزب الله" سلاحه للدولة اللبنانية، عملا بقرار مجلس الأمن 1701 واتفاقية وقف الأعمال العدائية التي وقعها البلدان في نوفمبر 2024، والتي كرر فيها الطرف اللبناني تعهده بنزع السلاح التزاما بالقرار الدولي.
إسرائيل انسحبت 3 مرات من لبنان ولم ينته "حزب الله"
لكن قبل نزع السلاح، سيطالب اللبنانيون بوقف إطلاق نار كامل من الجانب الإسرائيلي، مقرونا بانسحاب إلى الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بينهما لتؤكد أن إسرائيل قامت بتطبيق القرار 425 بانسحابها الكامل من الأراضي اللبنانية في العام 2000. بعد الانسحاب الإسرائيلي، سيسعى لبنان لتنفيذ قرارات حكومته القاضية بحل الجناح العسكري لـ"حزب الله" وحظر كل نشاطاته العسكرية.
بعد ذلك، يمكن ترسيم الحدود بين الطرفين وتوقيع اتفاقية سلام يتوّجها احتفال في البيت الأبيض تتخلله مصافحة كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو، أو أي من قد يخلفه في المنصب في حال تمت الإطاحة به في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الخريف المقبل.
إعلان رئيسي الجمهورية والحكومة في لبنان نيتهما توقيع سلام ثنائي مع إسرائيل، في حال تم التوصل لاتفاقية بينهما، خارجا عن إطار مبادرة سلام جامعة الدول العربية، التي تؤجل توقيع أي من الدول الأعضاء سلاما ثنائيا مع الدولة العبرية لمصلحة توقيع جماعي يلي قيام الدولة الفلسطينية، هو موقف لبناني متقدم، وغير مسبوق، ويعلي المصالح اللبنانية، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية منذ العام 1969، على مصالح كل الدول الأخرى، بما فيها العربية الشقيقة.
لكن الموقف السياسي اللبناني المتقدم لا يكفي لنيل ثقة الإسرائيليين لإعادة ترتيب الخطوات على الشكل الذي تطلبه بيروت.
تقول إسرائيل إنها، على مدى الربع القرن الفائت، قامت بالانسحاب من الأراضي اللبنانية 3 مرات مقابل وعود لبنانية بنزع سلاح "حزب الله". في العام 2000، قال اللبنانيون إن نهاية الاحتلال الإسرائيلي تؤدي إلى القضاء على العذر الذي يبني عليه الحزب شرعية "المقاومة". انسحبت إسرائيل ولم تنته "المقاومة"، التي واصلت التحرش بالإسرائيليين حتى أشعلت حربا في 2006. لإيقاف تلك الحرب، وافق لبنان على نزع سلاح "حزب الله" مقابل وقف إطلاق نار إسرائيلي وانسحاب من أراض لبنانية احتلتها أثناء الحرب، وتم تكريس ذلك الترتيب في القرار 1701.
للمرة الثانية التي تلت وقف الحرب وانسحاب إسرائيل، بدلا من قيام لبنان بحلّ "حزب الله" ونزع سلاحه، توسع الحزب من ميليشيا محلية إلى "جيش أوروبي متوسط الحجم"، حسب التسمية الإسرائيلية التي سبقت شن الحزب حربا للمرة الثانية على إسرائيل، في 8 أكتوبر 2023، هذه المرة بزعم إسناده لقطاع غزة وحركة "حماس".
للمرة الثانية في أقل من عقدين، أنفقت إسرائيل الكثير من الدماء والأموال في ضرب الحزب المذكور إلى أن بدأت حكومة لبنان تستجدي إسرائيل وقف إطلاق النار، مجددة وعد نزع سلاحه. أوقفت إسرائيل النار، وسلمت الأراضي إلى لبنان باستثناء 5 تلال قالت إنها ستحتفظ بها إلى أن تتمّ دولة لبنان عملية نزع السلاح، ليتبين في 2 مارس الماضي أن بيروت لم تنزع أي سلاح، إذ شن الحزب حربا متجددة على الإسرائيليين.
التحرير المشؤوم
هذه المرة، يصرّ الإسرائيليون على أن أي وقف إطلاق نار وانسحاب إسرائيلي، حسبما تطلب دولة لبنان، يجب أن يأتي بعد، لا قبل، نزع سلاح "حزب الله".
والحال هذه، كيف يمكن التوفيق بين الاختلاف في الأولويات بين الطرفين للتوصل للهدف المشترك لكليهما، أي حلّ جناح "حزب الله" العسكري، والانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الحدود، واتفاقية السلام الثنائية؟
هنا، يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دورا مركزيا إذ هي تقدم تعهدات، على شكل رسالة مكتوبة لرئيس لبنان، تضمن انسحاب الإسرائيليين إلى الخط الأزرق في اللحظة التي تفيد فيها القيادة الأميركية الوسطى، بالتنسيق مع إسرائيل، أن "حزب الله" أتم تسليم سلاحه لدولة لبنان. بعد ذلك، يمكن ترسيم الحدود، وتوقيع عملية السلام والمصافحة في البيت الأبيض بين عون ونتانياهو وسلام ونتانياهو.
أما إن تذرّع لبنان بانعدام قدرات الجيش لإتمام هذه المهمة، فيمكن للولايات المتحدة أيضا رفد الجيش اللبناني بالإمكانيات اللازمة والمشورة للتوصل لنزع سلاح "حزب الله" وحظر كل نشاطاته العسكرية، إنفاذا لقرار مجلس الوزراء اللبناني الصادر في 2 مارس الماضي.
أما التهويل بحرب أهلية في حال نزع السلاح، فهذا موضوع لا يعني أميركا ولا إسرائيل. إما أن لبنان دولة قادرة على الإيفاء بالتزاماتها وضبضبة سلاحها المتفلت، الذي يشن الحروب على دول الجوار، أو أن لبنان حالية مستعصية غير قادرة على ممارسة سيادتها، ما يجبر إسرائيل على ممارسة هذه السيادة في الجنوب إلى أن تتمكن بيروت من القيام بذلك، وهو ما يعني بقاء أكثر من نصف مليون شيعي في مراكز الإيواء وخيام اللاجئين وسياراتهم، وليتفضل "حزب الله" يواصل تحريره والشقاء الذي يرافق هذا التحرير المشؤوم.