يستعد الاتحاد العام التونسي للشغل، لإنجاز مؤتمره العام انطلاقًا من يوم 26 من شهر مارس الجاري بمدينة المنستير. وإذ شكلت مؤتمرات المنظمة تاريخيًا مدار اهتمام ينزّلها ضمن صدارة الأحداث الوطنية، فإنها تكتسي هذه السنة صبغة جدلية، وربما باستفهامات حائرة حول مصير غامض لإحدى أعرق قلاع النضال الوطني والاجتماعي في البلاد التونسية.
ولا يُخفى على جلّ المتابعين، ما أحاط بعقد هذا المؤتمر نفسه من نزاعات بينية صلب البيت الداخلي للاتحاد، وسط انقسام واضح حول موعده وقانونية انعقاده وجدواه المحتملة في لملمة الجراح التي خلفتها أزمة هيكلة تعود إلى سنة 2020، حيث سارعت القيادة آنذاك إلى عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي، تم فيه تغيير النظام الداخلي بإقرار فصل يمدد للقيادات الحالية التي انتخبت لدورتين سابقين بمنحها إمكانية الترشح لدورة أخرى. وهذا ما رأت فيه عناصر نقابية ذات وزن وتأثير، خرقًا صريحًا لمبدأ التداول على المسؤولية.
كانت هذه الأحداث المعروفة بمعركة الفصل 20، قادحًا لانقسام بين المركزية النقابية والمعارضة النقابية، وصل أصلًا لأروقة المحاكم. وقد انعكس ذلك بوضوح على تماسك المنظمة، وأفضى إلى ضعف ملحوظ في حضورها وإشعاعها على مستوى التحركات النقابية، وإلى انحدار تدريجي لتلك الصورة القوية المتعارفة، وحجم التأثير في الساحة الوطنية، إضافة إلى تزامن ذلك مع تعطل تواصلي كبير في علاقة الاتحاد بالسلطة. فالواقع الذي أفرزه مسار 25 يوليو، أنتج آليات جديدة مغايرة لمربعات التأثير الحزبي والمنظماتي، لينتقل اتحاد الشغل من وضع المؤثر القوي في التوازنات السياسية الوطنية (كما كان عهده في قيادة الحوار الوطني لسنة 2013) إلى وضع المنظمة ذات الحضور الاجتماعي الوظائفي الذي ينحصر في المسائل المطلبية النقابية.
ولا شك أنّ هذه الثنائية (خلاف داخل المنظمة وآخر خارجها) قد عمقت الأزمة ووسعت أطرافها، حتى أضحى الاتحاد ظلًا باهتًا لذلك الصرح القوي ذي الأدوار المتقدمة، فلا التحركات الميدانية والقطاعية وجدت الصدى المألوف عماليًا وشعبيًا، ولا أوراق الضغط (إضرابات النقل والتعليم والبنوك..) قد أفضت إلى تنازل يُذكر من الجهات الحكومية.
انقسام المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل
أما القطرة التي أفاضت الكأس، فكانت انقسام المكتب التنفيذي للاتحاد الذي أفضى بعد أخذ ورد حول موعد المؤتمر المقبل، إلى استقالة الأمين العام نور الدين الطبوبي خلال شهر ديسمبر 2025، ثم عودته في يناير 2026، قبل انقضاء آجال البت في الاستقالة، بإصرار كبير على عقد هيئة إدارية أقرت بالأغلبية انجاز المؤتمر العام في مارس الجاري، رغم معارضة 9 من أعضاء المكتب التنفيذي.
إذًا حسم الأمر تنظيميًا باتجاه المؤتمر الذي سيفضي إلى انتخاب قيادة جديدة من المفترض نظريًا أنها ستنهي حالة الانقسام وتستعيد وحدة الصف النقابي، لكن هل سيتسنى ذلك عمليًا؟ وهل يكفي تغيير اللاعبين لتغيير قواعد اللعبة؟ في الواقع تبدو الأمور أعمق وأشمل من مجرد تبديل فريق بفريق، لأنّ المقدمات نفسها تقود غالبًا إلى النتائج نفسها.
لننظر لحقيقة الوضع حاليًا، هناك حقًا بادرة تجاوز تتمثل في عدم تجديد ترشح الأمين العام نور الدين الطبوبي وأعضاء المكتب التنفيذي المشمولين بالتمديد الذي أقره مؤتمر سوسة لسنة 2020، وهو ما يعني اقتناع الجميع ببطلان ما تم إقراره من تعديلات، أضرت بوحدة الصف النقابي، لكن من الجهة المقابلة، لم تتم أيّ خطوة للمصالحة النقابية مع معارضي توجهات القيادة الحالية، والذين تم تهميشهم وإقصاؤهم بطرق شتّى بعد مؤتمر سوسة، وهذا يعني بقاء عدد من الإطارات النقابية الوازنة خارج معادلة المؤتمر العام.
ومعنى هذا واقعيًا هو مؤتمر لا يحظى بالإجماع قبل انعقاده، ولن تحظى قيادته المنتخبة بالإجماع بعد انعقاده، فهو مؤتمر جديد بمعيار الأسماء، قديم بمعيار التوجهات والتمشيات، ولن يفضي على الأرجح إلى تغيير جوهري ينقذ المنظمة من نذر الضعف والوهن..
هذا على الأقل ما يمكن استقراؤه من ردود الفعل الراهنة داخل الساحة النقابية والوطنية، وهذا ما يفترض من كل أبناء المنظمة أن ينظروا عميقًا في ما هو أبعد من المعالجات المناسباتية. الاتحاد لا يعيش أزمة أشخاص بل أزمة توجهات، وعليه فإنّ نكران الذات هو المقدمة الأولى لقراءة موضوعية، تكون أساسًا لإعادة صياغة منطلقات التجاوز. وفي كل الأحوال سينعقد مؤتمر لن يكون على الأرجح إلا مناسبة دورية ستمرّ مرور الكرام، إن لم تُرفد برؤية مستقبلية شجاعة تقطع الجذور الفعلية للأزمة.