hamburger
userProfile
scrollTop

السودان.. من أزمة إقليمية إلى دولية

كما أضرت الأزمة الأوكرانية بالاقتصاد العالمي كان السودان عامل تهديد مباشر للمنطقة (رويترز)
كما أضرت الأزمة الأوكرانية بالاقتصاد العالمي كان السودان عامل تهديد مباشر للمنطقة (رويترز)
verticalLine
fontSize

منذ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، والسودان يشهد أحداثًا سياسية وعسكرية صعبة، رغم أنه البلد الأشهر في الانقلابات في العصر الحديث، وبرز السودان كأحد الدول المهمة على الصعيدين الدوليّ والإقليمي، لما يحوي من ثروات، فكانت الأطماع فيه كبيرة، وبدأ يعيش أحداثًا دامية، وليس سرّاً إنه تم ربطها بتعدد المصالح الجيوسياسية على المستوى الدولي، للاستئثار به وإن كان على حساب السودان نفسه.

وبدون العودة إلى تفاصيل الانقلابات والأحداث التي عصفت بالسودان ما بعد البشير، يكفي أن نشير إلى الأحداث الأخيرة التي شهدها السودان، من خلال الصراع الدائر بين قوات الجيش السودانيّ بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، أحد أبرز أوجه صراع المصالح الدولية، وولاءات كل طرف على المستويَين الدوليّ والإقليمي، فضلًا عن التعقيدات المحلية، خصوصًا أنّ الأطراف المتحاربة متساوية في الإمكانات، ما يعقّد الأوضاع بشكل أكبر مما تبدو عليه.

صراع مفتوح على كل الاحتمالات

في ظل ما يشهده العالم اليوم من انقسامات وحروب، في أكثر من بقعة جغرافية، كان الصراع في السودان ربما الأشد خطرًا على محيطه من غيره، على سبيل المثال، كما أضرت الأزمة الأوكرانية بالاقتصاد العالمي إلى حدّ ما، كان السودان عامل تهديد مباشر للمنطقة، سواء في ليبيا التي تعاني بدورها انقسامات وتدخّلات دولية، ومشاكل داخلية، أو اليمن، خصوصًا في ضوء ما يحدث في البحر الأحمر، أو تشاد أو الصومال، العامل الذي قد يفتح أبواب عودة انتشار الإرهاب وتصديره للسودان وخارجه.

وهناك الكثير من الجماعات الإرهابية التي نشطت خلال العقد الأخير، وتحديدًا ما بعد "ثورات الربيع العربي"، بالتالي، تعمل القوى الكبرى على إزكاء هذا الصراع لغايات ومصالح واضحة. تعمل الولايات المتحدة على استثمار ما يحدث قبالة سواحل اليمن، ليس لأجل القوافل التجارة والملاحة العالمية، بقدر ما هو فرصة للحصول على موطئ قدم في تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة، فضلًا عن منع فتح إقامة القاعدة البحرية الروسية في بورتسودان.

ومن المتوقع أن تشهد المنطقة صراعات مستمرة، للسيطرة على الواجهة البحرية الاستراتيجية في السودان، إن كان من خلال التدخل بشكل مباشر او حتى بالوكالة ودعم طرف ضد آخر، تماشيًا مع سياسية الفوضى الخلاقة التي تتبناها، لتستثمر تلك الصراعات لاحقًا بتحقيق مصالحها والسيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها.

ولتحقيق ذلك، نجد أنّ تأجيج الصراع بدأ بتحريض بعض الأقاليم على الانفصال، كجنوب السودان سابقًا، وشرقه حاليًا، يلي ذلك، استخدام القوات الأوكرانية كمرتزقة للقتال في السودان، بعد التأكد من خسارة نظام كييف في حربه ضد روسيا، كما استغلت عمل المنظمات الانسانية، وخصوصًا المجلس النرويجيّ للّاجئين، لتمويل بعض الأنشطة المشبوهة في البلاد، والتحريض على الشغب، ليكون السودان ثاني ضحايا سياسة واشنطن في المنطقة، بعد ليبيا.

العامل الروسي

إنّ تحقيق الاستقرار في السودان يتطلب وجود أكثر من قوة عظمى على الأرض، أو انسحاب الجميع، بمعنًى آخر وجود الولايات الأميركية كقوى عظمى وحيدة في السودان، إلى جانب قوًى أخرى إقليمية ومحلية، سيؤدي لحالة فوضى وعدم استقرار مستمر، كما حصل في كثير من الدول سابقًا، بينما وجود قوى عظمى أخرى كروسيا أو الصين معها، يحقق توازن استراتيجيّ يخلق حالة من الاستقرار، خصوصًا أنّ روسيا من أكثر الأطراف حرصًا على تحقيق الاستقرار، لكن بحكم أنّ تصادم القوى العظمى يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية، وهذا ما لا يريده أيّ طرف من الأطراف، وبالتالي يحفظ الاستقرار.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الوجود الروسيّ يحظى بقبول إقليمي، خصوصًا من قِبل مصر وتركيا والسعودية، ومحلّي أيضًا من قِبل بعض القوى في الداخل السوداني، من هنا نجد أنّ هناك قبولًا سودانيًا على مسألة إنشاء قاعدة بحرية روسية في البلاد، والمتوقع أن يتمّ البتّ في هذه المسألة ما بعد الانتخابات السودانية المقبلة، بالتالي، فإنّ التجربة الروسية في إفريقيا رائدة لجهة:

  • أولًا، التعامل مع الدول الإفريقية على أنها دول ذات سيادة لا مستعمرات؛
  • ثانيًا، الاهتمام الروسيّ بتحديث البنى التحتية للدول الإفريقية، بعيدًا عن عسكرة العلاقات الثنائية؛
  • ثالثًا، مد جسور التعاون الاقتصاديّ والثقافيّ وتبادل الخبرات في شتى المجالات.

وهذا يعني أنه في حال تم تعطيل أو تأجيل فتح القاعدة البحرية في بورتسودان، سيكون بسبب التدخلات الخارجية من ناحية، وبسبب إزكاء الصراع من ناحية أخرى، إلا أنّ هذا الأمر قد لا يلحق أضرارًا بروسيا، وهي تمتلك وجودًا قويًا في القارة الإفريقية، كما أنها تمتلك حضورها في البحر المتوسط (قواعد بحرية في اللاذقية وطرطوس السوريتين)، ولها تجارب رائدة في دحر الإرهاب، إن كان في سوريا أو مالي والنيجر وغيرها، ما يشير إلى أنّ السودان بحاجة إلى حليف أكثر من وصيّ يتدخل في شؤونه الداخلية، وبناءً على ذلك، إنّ روسيا تشكل أهمية للسودان لجهة الاستقرار كمرحلة أولى، ومن ثم تأتي الأمور اللوجستية اللاحقة.

وهذه الأهمية ليست فقط للسودان نفسه، فمن مصلحة دول الجوار أيضًا أن يكون لروسيا وجود قويّ حتى وإن كان على شكل وجودها ضمن قاعدة عسكرية بحرية، ما يقطع الطريق على المخطط الأميركيّ الذي يرمي إلى التمدّد في منطقة البحر الأحمر، ما قد يخلق أزمات مستقبلية، دول المنطقة في غنًى عنها، وذلك لتحقيق توازن استراتيجيّ على أقلّ تقدير.

إلا أنّ هناك نقطة غاية في الأهمية يجب التنبّه لها، وقد أشرنا إليها أعلاه بشكل مقتضب، وهي أنّ الأزمة الأوكرانية لم تنتهِ بعد، لكنّ المؤشرات تدلّ على انتصار روسيا، التي عانت من تبعات هذه الحرب على الأقل من الناحية الاقتصادية، بالتالي، ستقوم واشنطن بطبيعة الحال، بتحجيم الدور الروسيّ في القارة الإفريقية، فقد سبق وأن أشار الرئيس الروسيّ، فلاديمير بوتين، بأنهم لم يكونوا السبب في طرد الفرنسيّين، في إفريقيا، بل كان للروس الموجودين هناك، دور عمليّ منفصل عن الدور الأمنيّ والعسكري، وهوّة الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية لتلك البلاد، بالتالي، مع اقتراب نهاية الأزمة الأوكرانية وفشل المعسكر الغربي، ستنقل الولايات المتحدة الوضع إلى مسرح عمليات جديد، والسودان الأرض الخصبة المهيّئة لذلك، لكنّ كل الاعتقاد بأنّ موسكو لن تنجرّ إلى هذا السيناريو، حتى لو تضررت مصالحها بما في ذلك، تأخر افتتاح القاعدة العسكرية في بورتسودان.

إلا أنّ الواقع يؤكد أنّ هناك علاقات متينة مع دول القارة الأخرى، وبالأخص مصر، فما ستقوم به واشنطن لن ينجح في ظل تورّطها في أكثر من صراع معًا، وهذا ما تعوّل عليه روسيا وباقي الأقطاب الأخرى.