أشرف رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، ظهر يوم الاثنين 4 نوفمبر 2024 بقصر قرطاج، على اجتماع لمجلس الأمن القومي كان مناسبة لوضع النقاط على الحروف بخصوص عدد من الشواغل ذات الأولوية العاجلة والتي تتمحور حول ثلاث نقاط أساسية: أولا مواصلة مكافحة مظاهر التسيب المالي والإداري والقضاء على لوبيات التخريب الممنهج لمرافق الدولة، وثانيا مواصلة التصدي للحلقات الإجرامية التي تسببت في ارتفاع الأسعار، وثالثا تفعيل سياسة عادلة وناجعة فيما يتصل بوضع المهاجرين غير النظاميين في تونس.
وبالنظر إلى المحاور الثلاثة لمجلس الأمن القومي يبدو واضحا أننا أمام خطة تنفيذية مفصلة لمضامين خطاب العبور الذي ألقاه الرئيس أثناء جلسة أداء اليمين الدستورية، وما احتواه من تنصيص على ضرورة تنزيل الأولويات الوطنية ضمن تأكد اهتمامات العمل الحكومي.
فالنقطة الأولى المتعلقة بمحاربة التسيب الإداري المسنود بفواعل إجرامية تحيل وجوبا إلى تواصل التصدي إلى بقايا المنظومة القديمة وما تضمره من استهداف مبرمج للمرافق الخدمية التونسية على غرار ما حصل بشركة الخطوط الجوية من تأخيرات للرحلات أحدثت اضطرابا في نقل المسافرين وتعطيلا لمصالحهم، وذلك بهدف إحداث انطباع عام بقصور المؤسسات الوطنية عن أداء وظائفها. وبالفعل تتواتر هذه الأيام إجراءات لإنهاء مهام بعض المسؤولين في هذه الشركة وغيرها وتحريك دعاوى المحاسبة القضائية ضد كل مسؤول تلاعب بمصالح الوطن والمواطن إهمالا أو تقصيرا أو بخلفية إجرامية تآمرية. ويبرز ذلك أيضا من خلال ما رافق زيارة الرئيس إلى ضيعة الشعّال(وهي من اكبر الضيعات المنتجة للزيتون في العالم) من إجراءات لإيقاف عدد من المتواطئين مع بعض رجال المال المتنفذين للتفريط في أراضي ومعدات هذه الضيعة بأبخس الأثمان.
أما النقطة الثانية فتتعلق بمواصلة متابعة مجلس الأمن القومي لمسألة ارتفاع الأسعار المشط في المواد المعيشية عبر انتشار مسالك توزيع موازية تتوسط بين المنتجين والمستهلكين عبر الاحتكار والمضاربة بما يهدد قوت المواطن ويكبده ما لا يتحمل من تكاليف الحياة. وواضح في هذا الصدد أن الدفاع عن القدرة الشرائية للتونسي واجب محمول على الدولة بل هو أصلاً جزء من حرب التحرير الوطنية الجديدة التي شكلت عنوان المشروع السياسي لمسار 25 يوليو.
أما فيما يتعلق بالاختلالات الناتجة عن التدفق العشوائي للمهاجرين غير النظاميين إلى الأراضي التونسية فقد كانت النقطة الثالثة من اجتماع مجلس الأمن القومي تنصيصا صريحا على الموقف الوطني السيادي الذي يلائم بين تفهم تونس لأسباب الحيف الاقتصادي التي فاقمت معاناة إفريقيا وتونس، وبين ضرورة وضع حد لهذا التدفق عبر التنسيق الدبلوماسي لتشجيع برامج العودة الطوعية للمهاجرين إلى مواطنهم الأصلية. مع التأكيد دائما أن تونس لن تكون أرض توطين للمهاجرين غير النظاميين.
وظيفة المحورية
وباعتبار أن مجلس الأمن القومي كإطار يجمع أبرز القيادات التنفيذية للدولة قد استعاد وظيفته المحورية في المشهد الوطني منذ انطلاق مسار 25 يوليو، فإن مقرراته وتوصياته صارت موضوع تطبيق فوري وهذا ما يفسر الحركية المكثفة في المدة الأخيرة ضمن مختلف هياكل العمل الحكومي التي اشتغلت على واجهات مختلفة، سواء من ناحية استحثاث الإصلاحات القانوية والتشريعية لتواكب الأولويات الوطنية أو من ناحية تكثيف المراقبة على الأسواق لردع التجاوزات أو من خلال تطهير الإدارة وربط التعيينات الجديدة بشرط الكفاءة والتجرد والمسؤولية. إما من ناحية تطوير أساليب، ومضامين العمل الدبلوماسي النشيطة، فإن مسالة الهجرة غير النظامية قد اتخذت منعرجا جديدا مرجعيته الأساسية هي التعاون الدولي على قاعدة الندية، حيث تم في هذا الصدد تكثيف اللقاءات مغاربيا مع الجزائر وليبيا، ودوليا مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي لتحمل المسؤولية جماعيا وعبر خطط منسقة لتنظيم عمليات العودة الطوعية للمهاجرين. ولا يخفى هنا أن تونس هي من أكثر بلدان شمال إفريقيا تحملا للكلفة الأمنية والاجتماعية والمادية لوجود آلاف الأشخاص على أراضيها من دون موجب قانوني، ورغم ذلك تحركت بعقلانية وخارج الحلول القصوى من باب التفهم لمعاناة الشعوب الإفريقية.
وعموما بدأت الملامح الأولية لاستحقاق البناء والتشييد الذي كان العنوان الأبرز للحملة الانتخابية للرئيس قيس سعيد تتجسد تدريجيا لتعلن عن مسار جديد لا مكان فيه للتقاعس في تحقيق مطالب الشعب وفتح أبواب الأمل أمامه لتجاوز مرحلة الركود الاقتصادي والاجتماعي التي طال أمدها.
وواضح هنا أن تونس لم تنتظر طويلا بعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي لتنطلق فوريا في العمل على كل الواجهات لترجمة الخيارات الكبرى إلى وقائع ميدانية. لقد آن الأوان لمعالجة جذرية الأوضاع التي أدت إلى اهتزاز صورة البلد في عيون مواطنيه وشركائه على حد سواء. وليس هذا التغيير العميق في النظام السياسي والإداري لتونس سوى استجابة لنداء إرادة عامة بمسح آثار نكبة الحقبة الإخوانية والعبور إلى حيث ما يجب أن تكون عليه صورة تونس الحضارة والتاريخ.