في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات أكثر مما تتسع لها خرائط التوقع، لم يعد استقرار الدول يُقاس فقط بقدرتها على تجاوز العاصفة، بل بقدرتها على إبقاء الحياة مستمرةً وسطها، وعلى حماية إيقاع الحياة اليومية، وعلى الحفاظ على قدرة الإنسان على النظر إلى الغد بثقة.
الإمارات تجربة تستحق التأمل
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها تجربة تستحق التأمل. ففي وقت تعيش المنطقة والعالم تداعيات صراعات وأزمات متلاحقة، تبدو الإمارات، رغم وجودها في قلب هذه المنطقة المضطربة، وكأنها تحافظ على مسار مختلف للحياة.
فمن يزورها، يلمس ويرى نشاطًا لافتًا وطاقة واضحة، تجعله بعيدًا، إلى حد كبير، عن أجواء الأزمات التي ألقت بظلالها الثقيلة على الحياة في دول عديدة من المنطقة.
لقد كنت في الإمارات خلال الأسبوعين الماضيين، وكان المشهد الذي عشته عن قرب لافتًا: مدن تنبض بالحياة، وفعاليات تتوالى، ومشاريع تتقدم، ومؤسسات تعمل، ونشاطات ثقافية وإعلامية واقتصادية لا تنشغل بالحاضر وحده، بل تترك للمستقبل مساحة واضحة في التفكير والعمل.
وخلال أسبوعين فقط، شاركت شخصيًا في أكثر من 10 فعاليات بين أبوظبي ودبي. حيث كانت البداية من أبوظبي مع منتدى هيلي الإستراتيجي، ثم معرض أبوظبي الدولي للكتاب، قبل أن أنتقل إلى دبي، حيث عشت عن قرب أجواء قمة الإعلام العربي الغنية بالفعاليات والحياة. ثم عدت إلى أبوظبي لأختتم زيارتي بالمشاركة في فعالية ثقافية وإستراتيجية هي "كونغرس العربية والصناعات الإبداعية".
ويمكن أن أقول إن ما لفتني في هذه التجربة لم يكن عدد الفعاليات أو تنوعها فقط، ولا حجم الحضور أو طبيعة المتحدثين، وإنما ما كان يجري خلف المشهد: إصرار واضح على استمرار الحياة، وعلى أن يبقى المستقبل حاضرًا في التفكير والعمل، حتى في أكثر الظروف صعوبة.
والحق يقال، إن الشعور نفسه والشغف نفسه رافقاني بين أبوظبي ودبي وسائر إمارات الدولة، حيث برزت أمامي 3 حقائق رئيسية:
- أولًا: الإصرار على حماية أسلوب الحياة
أول ما يلفت الانتباه هو الإصرار على المحافظة على أسلوب الحياة الذي أوجدته الدولة لنفسها، وعلى مواصلة المسار الذي يمكن أن نطلق عليه "الحلم الإماراتي".
وهذا لا يبدو مجرد استجابة ظرفية، بل ثقافة عمل وحياة تتجسد في التفاصيل اليومية، وفي طريقة عمل المؤسسات، وفي قدرة فرق العمل على مواصلة تنفيذ ما خُطِّط له، حتى عندما تتغير الظروف من حولها.
ومن يرى فرق العمل التي تقف خلف الفعاليات الكبرى في دبي وأبوظبي، ويشاهد حجم التنسيق والانضباط والجهد المبذول كي تستمر الحياة في مسارها، يدرك أن المسألة تتجاوز تنظيم فعالية أو عقد مؤتمر.
إنها، في جوهرها، ثقافة حياة وعمل واستمرارية.
فالأزمة لا تعني هنا إغلاق الأبواب، ولا تعليق الطموح، ولا تأجيل المستقبل إلى موعد غير معلوم. بل إن الحفاظ على انتظام الحياة نفسها يصبح، في زمن الاضطراب، فعلًا له دلالته.
"لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، لكن يمكن ابتكار المستقبل"
ولعل هذا المعنى يقترب من رؤية المفكر والرئيس التشيكي الراحل فاتسلاف هافيل للأمل، حين كتب أن الأمل ليس تنبؤًا بالمستقبل، بل "توجه للروح، وتوجه للقلب". فالأمل، بهذا المعنى، ليس وعدًا بأن الأمور ستسير بالضرورة كما نريد، وليس إنكارًا لصعوبة الواقع؛ وإنما هو القدرة على مواصلة العمل من أجل شيء نراه جديرًا بأن يتحقق، حتى عندما لا تكون النتيجة مضمونة.
وهنا يصبح الأمل مفهومًا إستراتيجيًا، لا مجرد شعور عابر. فحين تستمر الأعمال والمشاريع والفعاليات، وحين يبقى الإنسان قادرًا على مواصلة يومه وطموحه، فإن إدارة الأزمة لا تقتصر على احتواء آثارها، بل تمتد إلى حماية القدرة على مواصلة النظر إلى الأمام.
- ثانيًا: الثقة بالغد تبدأ من التخطيط له
الأمر الثاني الذي استوقفني، وربما كان من أكثر الأمور دلالة بالنسبة لي، هو أنني لم أرَ في هذه الفعاليات انشغالًا بالحاضر فقط، بل رأيت ثقة عملية بالغد. وأنا أتنقل بين هذه الفعاليات، لم يكن المشهد ينتهي بانتهاء الفعالية. خلف الكواليس، كان هناك حديث عن النسخ المقبلة، وأفكار جديدة يجري تطويرها، ومواعيد يتم التفكير فيها، وفرق عمل تخطط لما سيأتي بعد أشهر، وربما للعام المقبل.
وهنا تكمن دلالة لا تظهر للزائر بسهولة. فحين يبدأ فريق العمل، وهو يعيش تفاصيل فعالية اليوم، في التحضير لنسخة العام المقبل، فإنه يتعامل مع الغد باعتباره موعدًا ينبغي الاستعداد له، لا مجرد احتمال مجهول.
إنها ليست مجرد روزنامة فعاليات، وإنما ثقة عملية بالمستقبل.
فالذي يخطط لنسخة جديدة من مؤتمر أو منتدى، وهو لا يزال في قلب النسخة الحالية، يبعث برسالة عملية: الحياة ستستمر، والأفكار ستتجدد، والجمهور سيأتي، وهناك مساحة جديدة ينبغي أن نملأها من الآن.
وهذا النوع من الثقة لا يحتاج إلى كثير من الشعارات؛ فهو يظهر في التفاصيل الصغيرة التي يراها الزائر خلف المشهد. وهنا يحضر في ذهني قول الفيزيائي والحائز على جائزة نوبل دينيس غابور بأنه "لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، لكن يمكن ابتكار المستقبل".
إذ تعود هذه العبارة إلى كتابه Inventing the Future الصادر عام 1963، حيث طرح الفكرة في سياق يرى أن المستقبل ليس مجرد شيء نتنبأ به، بل مجال يمكن للإنسان أن يشارك في تشكيله. فالفرق بين انتظار المستقبل وصناعته ربما يكمن في هذه التفاصيل تحديدًا: أن تبدأ العمل على الغد قبل أن يصل، وأن تتعامل معه باعتباره مساحة مفتوحة يمكن تطويرها، وليس مجرد نتيجة لما يحدث اليوم.
الثقة بالغد سلوك يومي
وهذا بالتحديد ما رأيته في الإمارات: فعالية تنتهي، لكن التحضير للفعالية التالية يكون قد بدأ؛ موسم يُختتم، فيما يجري التفكير بالموسم المقبل.
وهذه ربما تكون إحدى أكثر العلامات وضوحًا على أن الثقة بالغد ليست فكرة مجردة، بل سلوك يومي. فمن يخطط للنسخة المقبلة وهو لا يزال يعيش تفاصيل النسخة الحالية، لا ينتظر المستقبل فحسب؛ بل يبدأ، منذ الآن، في إعداد المكان الذي سيصل إليه.
- ثالثًا: جرعة الأمل التي تراها ولا تحتاج إلى من يصفها لك.
أما الأمر الثالث، وربما الأكثر تأثيرًا على المستوى الإنساني، فهو تلك الجرعة من الأمل التي تحصل عليها في الإمارات من دون أن يطلب منك أحد أن تشعر بها. لا أحد يقول لك إن الأوضاع سهلة، ولا أحد يستطيع أن يعيش خارج سياق العالم المضطرب.
لكن ما تراه أمامك مختلف: حياة مستمرة، مدن نابضة، فعاليات ممتلئة، مؤسسات تعمل، فرق تستعد لما هو قادم، وأشخاص يتحدثون عن مشاريع ومواعيد ونسخ جديدة وأفكار جديدة. تدرك عندها أن الأمل يمكن أن يكون شيئًا يُبنى في تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا أعود مرة أخرى إلى كلمات هافيل بأن الأمل ليس تنبؤًا بالمستقبل، وإنما توجه نحوه. وربما لهذا كان أكثر ما بقي معي من هذه الزيارة ليس مؤتمرًا بعينه، ولا جلسة بعينها، ولا رقمًا يتعلق بعدد الفعاليات. ما بقي معي هو ذلك الإحساس الهادئ بأن الحياة مستمرة.
أن الناس يعملون.
أن المؤسسات تخطط.
أن الفعاليات تُقام اليوم، ويجري التحضير لنسخها المقبلة غدًا.
وأن هناك، وسط كل ما يحدث من حولها، من لا يزال ينظر إلى الأمام.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لفكرة "الأمل"؛ فهو لا يعني أن العالم أصبح خاليًا من الأزمات، وإنما يعني أن الأزمات لم تنجح في مصادرة قدرة الإنسان على الحياة والعمل والحلم.
والحقيقة أنه عندما غادرت الإمارات، لم أفكر كثيرًا في عدد الفعاليات التي حضرتها، بقدر ما فكرت في ذلك المشهد المتكرر الذي رأيته في أكثر من مكان: أشخاص يعملون على ما سيأتي، بينما العالم من حولهم منشغل بما يحدث الآن.
وهكذا، ربما لا يكون وصف الإمارات بأنها "موطن الأمل وموطئ المستقبل" مجرد عنوان شاعري، بل وصفًا لمشهد رأيته بعيني.
فهي موطن للأمل، لأنك حين تكون فيها ترى الحياة مستمرة، والعمل مستمرًا، والطموح حاضرًا، والإنسان قادرًا على أن ينظر إلى الغد دون أن يشعر أن الحاضر قد صادره، وموطئًا للمستقبل، لأنك لا ترى المستقبل بوصفه موعدًا بعيدًا، بل تراه في الاجتماعات، وفي خطط الفعاليات المقبلة، وفي المشاريع الجديدة، وفي الأفكار التي يجري العمل عليها قبل أن تنتهي مشروعات اليوم.
وربما كانت أجمل صورة اختزلت لي هذه التجربة كلها هي تلك التي تتكرر خلف كل فعالية كبيرة: بينما يكون الناس منشغلين بما يحدث على المسرح اليوم، يكون هناك في مكان آخر من يستعد لما سيحدث على المسرح غدًا.
وهكذا، وسط عالم يكثر فيه الحديث عن الأزمات، تبقى هناك دول تختار أن تتحدث، بالفعل لا بالكلام فقط، عن الحياة وما بعدها.
وفي الإمارات، كان واضحًا بالنسبة لي أن المستقبل ليس شيئًا ينتظرونه.
إنهم يعملون عليه..



