تلفظ العطلة الصيفية أنفاسها الأخيرة، ويستعد الجميع لانطلاقة جديدة، مدرسيا وجامعيا ووظيفيا، بل وسياسيا حتى. وفي وقت تتنافس فيه المكتبات على إزاحة العناوين الأدبية من واجهاتها، واستعراض جديد اللوازم المدرسية، يتساءل بعض المثقفين عن سر غياب تقليد "الدخول الأدبي" أو "الدخول الثقافي" كما دول أخرى لها باع طويل في هذا المضمار، والحديث يقصد هنا بدرجة أولى فرنسا، التي حولت هذه المناسبة إلى لحظة مركزية في الحياة الثقافية، تشهد صدور مئات العناوين الجديدة، بين روايات ودواوين ودراسات فكرية وأدبية، في تواشج مدروس مع انطلاق الموسم الجامعي وبداية النشاط الثقافي والإعلامي بعد العطلة الصيفية، فتتحول اللحظة إلى حدث وطني يتابعه القرّاء والنقاد، خاصة مع الإعلان عن قوائم الجوائز الأدبية.
وبين الواقعية والتمني، لا بد من تشخيص الأسباب التي تمنع الحديث (حاليا على الأقل) عن دخول أدبي مغربي، مما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
قطاع النشر: حجر الزاوية
من المؤكد أن فرنسا قد راكمت عبر قرون تقاليد راسخة في صناعة النشر والكتاب، يؤكدها وجود شبكة قوية من دور النشر الكبرى (غاليمار، سوي، غراسيه..) وصحافة أدبية مؤثرة، وجمهور قارئ. سمحت هذه البنية بخلق "موسم" سنوي يترقبه الوسط الثقافي. أما المغرب فلا زال حديثا نسبيا في الميدان، حيث لم يعرف تطورا في صناعة الكتاب إلا منذ عقود قليلة. ورغم وجود تجارب نشر مغربية ناجحة، إلا أنها تبقى تجارب فردية محدودة، مع الافتقاد الواضح إلى الإمكانيات التي تسمح بتنسيق صدور عشرات الكتب في فترة محددة، أو الاستثمار في حملات إعلامية موسّعة.
محدودية تجارب الإعلام الثقافي المتخصص: من سيوصل المعلومة؟
تلعب الصحافة الأدبية الفرنسية دورا محوريا في تكريس "الدخول الأدبي"، مع تخصيص المجلات والصحف الكبرى ملاحق مطوّلة، ومتابعة دقيقة لأخبار الجوائز، فتتحوّل الروايات الجديدة (أو بعضها على الأقل) إلى حدث جماعي. أما في المغرب، فما زال الإعلام الثقافي ضعيف الحضور، سواء في الصحافة المكتوبة أو السمعية البصرية، وإن حاولت منصات استفادت من ثورة وسائل التواصل الاجتماعي في تجاوز هذا البون. لكن التغطية الأدبية تظل محدودة، وغالبا ما تقتصر على أخبار سريعة عن المعارض أو اللقاءات. مما يحرم الكتب من الصدى الضروري لخلق تقليد مشابه.
غياب منظومة جوائز حقيقية: جائزة المغرب للكتاب وحدها لا تكفي..
ترتبط الجوائز الأدبية الكبرى في فرنسا، مثل غونكور ورونودو وفيمينا، زمنيا بـ"الدخول الأدبي" فتمنحه بالتالي زخما ملحوظا. تساهم هذه الجوائز إذن في الرفع من مبيعات الكتب، وتؤثر في المشهد العام. أما في المغرب، فتظل الجوائز الأدبية محدودة العدد والتأثير، ولعل أبرزها جائزة المغرب للكتاب، وغالبا ما تعلن نتائجها في فترات غير مرتبطة بموسم نشر محدّد، ما يفوّت فرصة خلق تزامن بين صدور الكتب واهتمام القرّاء والنقاد.
المعارض الدولية للكتاب: دخول أدبي آخر؟
في المغرب، يظل "المعرض الدولي للنشر والكتاب" بالرباط (بعدما أمضى سنوات طويلة في الدار البيضاء)، هو اللحظة السنوية الأبرز للكتب، إذ يربط الناشرون في الغالب إصداراتهم بموعده أكثر من أي موعد آخر. مما يجعل فكرة "الدخول الأدبي" في المغرب مرتبطة بالمعرض أكثر من وسمها بموسم ثقافي محدّد خريفا أو ربيعا، وهذا بخلاف النموذج الفرنسي الذي يتأسس على استقلالية الحقل الأدبي عن معارض الكتب التجارية.
سؤال الكتابة: ما معنى أن تكون كاتبا في المغرب؟
لا بد من الإشارة هنا إلى البعد الاجتماعي الاعتباري: تتمتع مهنة الكاتب في فرنسا وعموم الدول الغربية باعتراف اجتماعي ودعم مؤسساتي، عبر الإقامات والمنح والمجلات المتخصصة. هي ثقافة «اعتراف» تجعل من «الدخول الأدبي» لحظة منتظرة، لها خصوصيتها لدى الكتاب كما القراء. أما في المغرب، فأغلب الكتاب يشتغلون في مجالات موازية (التدريس، الصحافة، الترجمة..)، ويكافحون للمواءمة بين الإبداع الأدبي الفكري ومتطلبات الحياة. لذلك، لا يشكّل موعد الصدور مسألة أساسية، بل يتم غالبا وفق ظروف شخصية أو حسب استعداد الناشر للـ"مغامرة".
والنتيجة؟
بالنظر إلى كل ما سبق، يبدو غياب "الدخول الأدبي" في المغرب انعكاسا لاختلاف بنيوي في صناعة النشر وسوق القراءة والإعلام الثقافي. فبينما استطاعت فرنسا أن تحوّل لحظة صدور الكتب إلى طقس اجتماعي وثقافي وحدث وطني يترقبه الجميع، يظل النشر في المغرب أقرب للتشتت، وخاضعا لإكراهات محدودية السوق، وضعف التغطية الإعلامية.
ومع ذلك، وحتى لا تكون النظرة مغرقة في سوداويتها، فإن وجود إرادة حقيقية للاستثمار في صناعة ثقافية فاعلة، بما يساهم في توسيع قاعدة القراء، مع تفعيل دور الجوائز ودعم الصحافة الأدبية، سيقود بكل تأكيد إلى إمكانية الحديث عن "دخول" حقيقي يحفظ الهوية الثقافية، ويواكب حركية إبداعية نشيطة، تستحق الالتفات لها، ومنحها شروط الثقة والتطور، لا الاستسلام لليأس.