hamburger
userProfile
scrollTop

عقيدة عسكرية إسرائيلية جديدة أعجزت "محور إيران"

إسرائيل أضافت شرط الإخلاء الممنهج للسكان المدنيين من منطقة القتال (رويترز)
إسرائيل أضافت شرط الإخلاء الممنهج للسكان المدنيين من منطقة القتال (رويترز)
verticalLine
fontSize

تحت أنقاض غزة والقرى الخالية من السكان جنوب نهر الليطاني في لبنان، يختبر الجيش الإسرائيلي عقيدة تختلف عن العقيدة التقليدية في مواجهة المجموعات المسلحة من غير الدول. بدلاً من استخدام الضغط العسكري لإجبار الحكومات أو السكان على الخضوع للإرادة السياسية، تشن إسرائيل حربها لفصل المجموعات المسلحة مثل "حماس" و"حزب الله" عن المدنيين الذين تتخذهم هذه المجموعات غطاءا لها. هكذا، فرضت إسرائيل ساحة معركة خالية من غير المقاتلين، وهو ما يسمح للجيش الإسرائيلي بالقضاء على المسلحين من دون العبء الأخلاقي الناجم عن "الأضرار الجانبية" أي مقتل المدنيين في المناطق السكنية.


شرط الإخلاء الممنهج للسكان المدنيين من منطقة القتال

هذه الطريقة خفضت بالفعل الخسائر في صفوف الإسرائيليين بشكل كبير، مقارنة بالحملات السابقة، وخلقت نموذجاً يتحدى السيناريو الكلاسيكي للمسلحين الذين يختبؤون عادة بين السكان المدنيين. لم يدرك "حزب الله" و"حماس" هذا التحول في التكتيك العسكري بعد ولم يعثرا على طريقة للتصدي له والتفوق عليه. كل ما تبقى في حوزتهما هو رمي الصواريخ من مسافة بعيدة على الإسرائيليين، وفي حالة "حماس"، نفدت صواريخها فيما مخزون "حزب الله" ماض في التدني.

الطريقة الإسرائيلية الجديدة تعتمد على 4 مبادئ مترابطة، تمثل قطيعة واضحة مع كل جولات القتال السابقة منذ عام 1948:

  • أولاً، تخلت إسرائيل عن فكرة أن الحرب بحد ذاتها يمكن أن تُجبر الحكومات أو السكان على سلوك أفضل. لقد أثبتت عقود من الحروب أن السلطة الفلسطينية والدولة اللبنانية ضعيفتان أو غير راغبتين في الوفاء بأي من وعودهما. لو كانت رام الله أو بيروت وصيّتين كفؤتين على أراضيهما، لما كانت الحروب الحالية ضرورية أبداً. لذا، لم يعد تصعيد أو تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي ورقة للمساومة، بل صار أداة لخلق الظروف التي قد تُجبر تلك الدول على التحرك.
  • ثانياً، تأتي الحروب الإسرائيلية الآن مع خطط ختامية مُعدّة مسبقاً تخفف عن الدولة اليهودية عبء إجبار الأعداء على الاستسلام تحت ضغط القوة الإسرائيلية الهائلة. النجاح في مكافحة التمرد، مثل في حالة زيادة القوات الأميركية في العراق مع "الصحوة السنية" في 2007-2008، لا يزال هو النتيجة المفضلة حيث تقوم قوى محلية بطرد المتطرفين. لكن عندما يتعذر ذلك، مثل حربي غزة ولبنان الأخيرتين، صار لدى إسرائيل خطة بديلة لاختتام الحرب بصورة مستقلة عمّا يقرره أعداؤها. النمط القديم، المتمثل في وقف إطلاق نار غير حاسم يسمح لـ"حماس" أو "حزب الله" بإعادة تجميع صفوفهما، انتهى إلى غير رجعة.
  • ثالثاً، أضاف الجيش الإسرائيلي شرطاً غاب عن كل حروبه السابقة، وهو شرط الإخلاء الممنهج للسكان المدنيين من منطقة القتال. كانت الميلشيات المسلحة اعتمدت في مواجهتها الجيش الإسرائيلي على مدنييها دروعا بشرية تزرع في وسطهم قاذفات الصواريخ، ومراكز القيادة، وتبني شبكات الأنفاق تحت المدارس والكنائس.

أما اليوم، فمن خلال إصدار أوامر إخلاء جماعية، أولاً في شمال غزة ثم في جنوب لبنان، قلب الإسرائيليون هذه الإستراتيجية ضد مبدعيها. وبمجرد خروج المدنيين، تصبح ساحة المعركة مواجهة عسكرية خالصة تسمح للجنود الإسرائيليين بالتعامل مع أي هدف مرئي فورا ومن دون تردد أو خوف من أن يكون مدنيا. هكذا، عكست نتيجة العقيدة الإسرائيلية الجديدة انخفاضا في الخسائر الإسرائيلية، مقارنة بحرب لبنان 2006 أو جولات غزة السابقة، التي أجبرت فيها الكثافة السكانية الإسرائيليين على التردد في المواجهة، وعرّضت الجنود للكمائن.

  • رابعاً، يحل غياب المدنيين أيضاً مشكلة فخ إدارة ما بعد الحرب، إذ لم تعد إسرائيل مضطرة لإدارة سكان معادين. بدلاً من ذلك، تصبح الأرض المُسيطر عليها منطقة عسكرية مغلقة لا يدخلها أحد، وهي منطقة عازلة تحت سيطرة حصرية للجيش الإسرائيلي. أما إذا رغب الفلسطينيون أو اللبنانيون في استرداد أراضيهم فما على حكوماتهم إلا أن تفي بالتزاماتها، مثل تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701 ونزع سلاح "حزب الله"، وإقامة احتكار حقيقي لاستخدام العنف الشرعي، أو تنفيذ القرار 2803 ونزع سلاح "حماس" في غزة لاستعادة نصف القطاع الذي حوله الإسرائيليون إلى منطقة عسكرية عازلة. حتى ذلك الحين، تبقى المنطقة محظورة.

التنازل عن السلاح لاستعادة الأرض

لم يستوعب "حزب الله" ولا "حماس" هذا التغيير بعد، وهم ما يزالون يتخيلون إعادة سيناريو حرب "المقاومة ضد الاحتلال"، قبل عام 2000 في الحالة اللبنانية، وهي الحرب التي أدت إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. سيناريو تلك الحرب اعتمد على عنصرين مفقودين اليوم: قاعدة مدنية مأهولة بالسكان لدعم العمليات القتالية غير النظامية، وضغط دولي منحاز للمطالب اللبنانية بالانسحاب الإسرائيلي.

اليوم، الأرض خالية من السكان فيما قرارات الأمم المتحدة (1559 و1701) تدعم إصرار إسرائيل على نزع السلاح، والجيش الإسرائيلي ليس لديه أي نية في إدارة المدنيين. هكذا، سيصبح إطلاق "حزب الله" للصواريخ الوسيلة الوحيدة المتاحة له، وسيتطلب ذلك صواريخ بعيدة المدى يكون إطلاقها أصعب واعتراضها في أجواء إسرائيل أسهل.

لقد أظهرت إسرائيل أن حرب اللاتماثل الكلاسيكية التي يختبئ فيها الفاعل الضعيف بين المدنيين بينما يقيد الفاعل القوي نفسه بالقانون والاعتبارات الإعلامية، هي تكتيك يمكن قلبُه رأساً على عقب، وذلك من خلال جعل إخلاء المدنيين شرطاً أساسياً وليس نتيجة ثانوية للعمليات، هكذا، نجح الجيش الإسرائيلي في تقليل خسائره، وتقليص القيمة الدعائية لأعداد الضحايا لدى العدو، وخلق نمط سيطرة مستدامة على الأرض لا تتطلب احتلالاً دائماً، ويكون التخلي عنه رهنا بالتزام الطرف الآخر بقرارات مجلس الأمن الدولي.

لا يزال قادة "حزب الله" يتحدثون عن "تحرير" الجنوب. ولا يزال بقايا "حماس" يعدون بالعودة إلى أنقاض شمال غزة. كلاهما يعملان وفق خريطة قديمة وبائدة. العقيدة الإسرائيلية الجديدة لا تسعى إلى كسب القلوب والعقول أو إصلاح المجتمعات بالقوة. إنها ببساطة تحرم أعداءها من الكتلة البشرية والأرض التي تحتاجها الميليشيات للتفوق على إسرائيل.

لم تعد الأساليب القديمة سارية. كلما أدركت بيروت والقائمين على "حماس" ذلك بشكل أسرع، كلما أدركا أنهما لا يملكون أدوات للتغلب على الإسرائيليين سوى التنازل عن السلاح لاستعادة الأرض والعيش في سلام.