hamburger
userProfile
scrollTop

مراجعة جديدة لمدوّنة الأسرة المغربية

المشهد

أحمد عصيد: ينبغي مقاربة مراجعة مدوّنة الأسرة المغربية مراجعة شاملة وعميقة (رويترز)
أحمد عصيد: ينبغي مقاربة مراجعة مدوّنة الأسرة المغربية مراجعة شاملة وعميقة (رويترز)
verticalLine
fontSize

أصدر الديوان الملكيّ بالمغرب بلاغا يوم الثلاثاء الماضي، يعلن فيه البدء في مراجعة مدوّنة الأسرة بعد 19 عاما مرت على آخر مراجعة عام 2004، وعهد بهذه المهمة إلى 3 مؤسسات، هي وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، كما دعا البلاغ هذه المؤسسات الثلاث إلى الانفتاح على المجتمع المدني والأحزاب، والأطراف المختلفة المهتمة بموضوع حقوق المرأة والطفل.

ومعلوم أنّ التدخل الملكيّ يتم في إطار مؤسسة "إمارة المؤمنين" الدينية التي تقوم بدور التحكيم في الأمور الدينية، التي تعرف خلافا شديدا في المجتمع، ومنها قضايا حقوق المرأة والطفل، بسبب ارتباطهما بنصوص دينية ما زالت معتمدة رغم التحولات المجتمعية الكبرى التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة، والتي خلقت عدم تلاؤم بين النصوص القانونية وواقع العلاقات الاجتماعية والأسرية.

ويلاحظ أنّ "المجلس العلميّ الأعلى" الذي يمثّل سلطة الفقهاء التقليديين، ليس ضمن المؤسسات الثلاث المذكورة، وأنه ذُكر في البلاغ فقط مع الأطراف الأخرى التي ينبغي الاستماع إليها، وهي إشارة يمكن أن يكون لها دلالة تقليص نفوذ رجال الدين الذين كانوا مهيمنين على موضوع الأسرة والأحوال الشخصية، باعتباره المجال الوحيد الذي ما زالت فيه بقية من قوانين شرعية مستقاة من الفقه الإسلامي. ومن المرجح أنّ هذا التركيز على الأطراف المدنية سيكون له بالغ الأثر على المنهجيّة والتصوّر اللّذين سيتمّ اتّباعهما في مراجعة نصّ المدوّنة.

ومن جانب آخر يبدو أنّ التأخر الكبير الذي يعانيه المغرب في مجال المساواة بين الجنسين، قد أصبح مزعجا للطبقة الحاكمة، ليس فقط بسبب الترتيب المخجل الذي يحتله المغرب عالميا في تكافؤ الفرص بين الجنسين (الرتبة 136)، بل أيضا لما يمثّله دور المرأة في عصرنا، بوصفه عاملا أساسيًا في التنمية الشاملة والدائمة في أيّ بلد من البلدان.

نقائص مدوّنة الأسرة المغربية 

لقد أظهرت 19 عاما الماضية من العمل بمدوّنة الأسرة المغربية، 3 نقائص كبرى صار من اللازم البتّ فيها في السياق الحالي، الذي فتح فيه من جديد باب المراجعة الفعلية لنصّ المدوّنة وتدارك الأسباب التي جعلته مخالفا للدستور، وقاصرا عن ضمان الكرامة للمرأة المغربية.

  • المشكل الأول يتعلق بطبيعة النصّ ذاته وفلسفته ومرجعياته ومعجمه.
  • المشكل الثاني يخصّ واحدا من أعطاب الدولة المغربية وهو عدم تفعيل القوانين.
  • المشكل الثالث يعود إلى طبيعة العقليات السائدة في المجتمع وطبيعة التمثلات حول المرأة والطفل.

وتقتضي هذه المشاكل الثلاثة مقاربة حقوقية وقانونية تتّصف بالوضوح والشفافية والشجاعة، كما تستلزم من الطبقة الحاكمة إرادة سياسية في الحسم والتجاوز، وعدم تكرار الأخطاء السابقة، وذلك في سياق ما تشهده المجتمعات الإنسانية من تطور عام في اتجاه الحقوق والحريات والمساواة التامة بين الجنسين، وتجاوز الثالوث الذي ما زال يعصف بحقوق النساء المغربيات حتى اليوم، ثالوث: التمييز/ والتفقير/ والعنف، ما أدى إلى أن يحتلّ المغرب الترتيب المشار إليه أعلاه.

تعديلات مدوّنة الأسرة المغربية 

ومن أجل مراجعة شاملة وعميقة ثمة جملة مبادئ فكرية عامة ومرتكزات تتعلق بفلسفة النص الذي يمكنه تحقيق الكرامة والمساواة بين الجنسين، وجعل الأسرة المغربية إطارا للتقاسم والتضامن والمسؤولية المشتركة، عوض العنف والسيطرة والطاعة والاستغلال. ويمكن إجمال هذه المبادئ الفكرية العامة في ما يلي:

  • الخروج من منطق الصراع القديم حول المرجعية بين الحداثيّين والمحافظين بإقرار نصّ مدنيّ للأسرة، ورفض الممارسات الماسة بالكرامة، والتي باسم "ثوابت الأمة" كانت تُستعمل في كبح التطور، وشرعنة أشكال الظلم التي لم يعُد يمكن قبولها.
  • أولوية الإنسان على النصّ والآراء الفقهية باعتباره كائنا وُجد قبل جميع الأديان، جوهرا واحدا ذا كرامة، مهما اختلف لونه أو لسانه أو نسبه أو جنسه أو عقيدته، وتتحدّد قيمته في إنسانيّته، بينما الدين مختلف حسب البلدان والأمم والشعوب والسياقات التاريخية بل وحسب الأفراد داخل المجتمع نفسه. كما أنّ الإنسان هو الذي يؤمن بإرادته واختياره وقيمة الدين، إنما هي في فعل الإيمان به من طرف الإنسان الذي ينبغي أن يتبوأ الصدارة.
  • عدم استعمال مفهوم الخصوصية لعرقلة تشريع قوانين مدنية منصفة وعادلة، فالخصوصية نوعان: خصوصية تمثل غنّى للشخصية الوطنية باعتبارها لا تتعارض مع مكتسبات العصر، ولا مع قيم حقوق الإنسان التي يعتبرها الدستور المغربي "كلًا غير قابل للتجزئة" و"أسمى من التشريعات الوطنية"، ونوع آخر من "الخصوصية" ارتبط بسياقات تاريخية واجتماعية وسياسية قديمة، لم تعُد قائمة في ظلّ الدولة الحديثة، ما يجعلها مناقضة لالتزامات الدولة ولتحولات المجتمع المغربي.
  • بناء المدوّنة على أساس فكرة "التعاقد" بين طرفين متساويَين في حقوق وواجبات المواطنة، وإلغاء كل الفقرات والمضامين التي تعتمد المنظور الفقهيّ التراثي الذي ينظر إلى المرأة وفق دوغما رباعية تعتبرها: أنها ضعيفة العقل/ أنها عاطفية تنساق وراء المشاعر والشهوات/ أنّ مهمتها الإنجاب وخدمة الرجل/ أنها تحت الوصاية يتم الإنفاق عليها. وبمحاربة هذه الأفكار التقليدية يمكن الدفع في اتجاه جعل الزواج تعاقدا حاسما يضمن حقوق المواطنة والمساواة التامة. وذلك يمكن الإجهاز على نظام "القوامة" الذي تمت خلخلته عام 2004 لكن من دون هدمه بالكامل، لأنه لا يسمح باحترام المرأة بوصفها مواطنة مساوية للرجل في قيمتها.
  • تغيير المعجم الفقهي القديم الذي يتضمن كلمات مهينة للمرأة والطفل مثل "المتعة" و"الوطء" و"اللعان" و"القوامة" و"الهجر" و"الفراش" و"ابن الزنى"، واعتماد معجم قانونيّ حديث يُخرج نصّ المدونة من المنطق الذكوري القديم.
  • إنهاء سلطة بعض القواعد الفقهية القديمة التي تحولت إلى دين، بينما هي مجرد قواعد بشرية كمثل القول بنصوص "قطعية الدلالة" لا تقبل أيّ تأويل، وبأنّ "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، والتي تمنع من ربط النص بسياقه التاريخي وظروفه التي ظهر فيها، وكمثل "لا اجتهاد مع وجود نص"، وغيرها من القواعد التي نقضتها الدولة المغربية نفسها في الكثير من تشريعاتها منذ الاستقلال إلى اليوم، والتي آخرها إقرار المساواة في الشهادة بين المرأة والرجل.
  • عدم إقحام شؤون المرأة وحقوقها ضمن منطق "موازين القوى" البراغماتي، حيث إنّ الكرامة الإنسانية لا يمكن التعامل معها بهذه المقاربة، ما يحتّم جعلها من أوليات التزامات الدولة كما ينصّ على ذلك دستور البلاد. كما ينبغي التذكير بهذا الصدد بأنّ التوازنات الكلاسيكية للنظام السياسي في هذا الموضوع، قد أدّت إلى حدوث هوة واضطراب بين النصوص والممارسات والوعي الجمعي للمغاربة، ما جعل الطموحات والالتزامات الرسمية مجرد شعارات لا أثر لها على واقع الناس.
  • اعتبار أنّ سلطة القراءة والتفسير والتأويل للنصوص الدينية لا تقتصر على فقهاء الدين الذين أظهروا عجزا كبيرا عن الاجتهاد المطلوب، بل ينبغي الاستماع إلى الواقع المغربيّ من خلال الحركات النسائية والباحثين السوسيولوجيين والسياسيين الديمقراطيين، والفاعلين المدنيين، وقراءة النصوص على ضوء ذلك كله.
  • حذف جميع الصيغ اللغوية "التحايلية" التي أدّت إلى إجهاض المضامين الإيجابية والمكتسبات القانونية، وإلغاء الاستثناءات التي تسمح بتعليق النص وملئه بالتناقضات المؤدية إلى تكريس الممارسات السلبية، وجعل فقرات المدونة على عكس ذلك أكثر وضوحا وانسجاما.

بهذا المنطق الجديد ينبغي مقاربة موضوع مراجعة مدوّنة الأسرة "مراجعة شاملة وعميقة" تشمل مختلف مظاهر الحيف والتمييز تجاه المرأة، ومن ضمنها ما يخصّ تزويج القاصرات وقضايا الولاية والحضانة والنفقة والتعويض عن الضرر، وتعدد الزوجات ومنع زواج المسلمة بغير المسلم والتمييز في الإرث والتعصيب.

وبهذه المداخل المنهجية والمرتكزات الفكرية يمكن استكمال مسلسل مدنية النص، من أجل الوصول إلى مدوّنة قوية ومنسجمة داخليا مع الدستور والمعاهدات الدولية التي وقّع عليها المغرب وصادَق.

ولأننا نعلم بعدم كفاية تغيير النصوص إذا لم يواكبها تحسيس وتأطير وتربية، فإننا نعتبر بأنّ مهمة الدولة بعد المراجعة الشاملة والعميقة لنص المدوّنة، هو القيام بحملة وطنية لتفسير مضامينها وتقريبها من وعي الرجال والنساء، وذلك من أجل تغيير تمثّلات المجتمع عن المرأة والطفل والعلاقة بين الجنسين.