لم تكن المحادثات بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف وجهًا لوجه في منتجع بورغنشوك السويسري، بوساطة باكستانية قطرية، بالحدث العابر. اللقاء أيضا لم يكن بالحدث الدبلوماسي العادي، ويمكن أن يحصل في أيّ لحظة، بل على العكس شكّل اللقاء لحظة تاريخيّة أساسية في سياق مستقبل الشرق الأوسط الذي رُسم بالمتغيرات الإقليمية الكبيرة، أقلّه منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وبعد أكثر من 18 ساعة من المفاوضات، اتفق الطرفان على خريطة طريق أو ورقة تفاهم تمهد لاتفاق نهائي خلال 60 يوما. تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذا الاتفاق بمحاولة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط المعقّد جغرافيا وسياسيا وعسكريا. ولكن هل يمكن التوصل لاتفاق نهائي؟
أولا: لبنان الورقة
تُعتبر التعقيدات التي تواجه الاتفاق جمّة وخطيرة. فلبنان كان في قلب المفاوضات مثله مثل الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. ولتفادي انفجار الاتفاق، اتفق الطرفان على إنشاء خلية أزمة لإدارة وإزالة التعارض تكون فيها الدول المشاركة في سويسرا والدولة اللبنانية جزءا منها. فالهدف من هذه الخلية هو التأكد وضمان وقف العمليات العسكرية في لبنان، ولكنّ المشكلة ليست بالخلية، ولكن في بنية هذا الاتفاق، إذ لم تشارك في المفاوضات ولم توقع الأطراف المتقاتلة وأعني هنا إسرائيل و"حزب الله" على مذكرة التفاهم، وخصوصا أنّ إسرائيل رفضت الانسحاب و"حزب الله" رفض تسليم السلاح.
النتيجة أنّ لبنان أصبح كما تعودنا ورقة على طاولة مفاوضات لا يشارك فيها ولا يجلس عليها، بل يتلقى نتائجها من دون أن يكون طرفا فيها. فالدولة اللبنانية ضعيفة المؤسسات بسبب حدة الأزمات المتعاقبة، من الانهيار المالي إلى الحرب الأخيرة مع إسرائيل وانهيار البنية التحتية، تجد نفسها اليوم في موقف أكثر صعوبة. فإيران ترى لبنان ركيزة أساسية في نفوذها الإقليمي وورقة تفاوضية رابحة، بينما تنظر اليها إسرائيل على أنها الخطر الحدودي والوجودي الكبير، والتعدي المباشر على أمنها الإقليمي، فيما دول الخليج تسعى لتجنب حرب إقليمية تطيح بما تبقى من الشرق الأوسط ودول ومؤسسات قائمة.
أما التحدي الأخطر على لبنان والأصعب للدولة اللبنانية، فهو عدم قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية على إحكام القبضة على قراراتها السيادية، مثل السلم والحرب وحصر السلاح، وخصوصا في فترة زمنية قصيرة جدا، فترة الستين يوما. لذلك من المرجح أن تُنتج هذه المفاوضات ترتيبات أمنية خاصة تُثبت تدخلات خارجية متناقضة على خطوط تماس داخلية لا تخدم مصالحها.
ثانيا: دول الخليج ومعادلة التوازن
دفعت دول الخليج العربي ثمنا باهظا جدا من أمنها ورخائها واقتصادها من جرّاء العدوان الإيراني عليها من دون سبب، منافيا لسياسة حسن الجوار. وما زاد من حدة الثمن هو إغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاقه مجددا كورقة ضغط على هذه الدول، لذلك تنظر دول الخليج للاتفاق، بعيون تجمع بين الارتياح الحذر والقلق الإستراتيجي. فاقتصادات دول الخليج لا تعتمد فقط على النفط، بل على الاستقرار المستدام، وثقة المستثمرين، والأمن البحري، وطبعا تدفق الطاقة، لذلك فإنّ أيّ اضطراب جزئي أو كلي في مضيق هرمز يُنتج تداعيات خطيرة تتجاوز بحدّتها نطاق منطقة النزاع الحاصل لتشمل العالم بأسره.
وما يثير التساؤلات الكبيرة في عواصم القرار الخليجية، هو الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بقيمة 12 مليار دولار وإصدار وزارة الخزانة الاميركية إعفاءً موقتًا يسمح لإيران ببيع نفطها، كما يسمح لها بأن تكون أقوى ماليا مما كانت عليه بالأشهر الماضية، ويطرح أسئلة إستراتيجية على صناع القرار في المنطقة، بحيث هل ستوجه إيران مواردها المالية الجديدة إلى الداخل الإيراني وإعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية، أم نحو إعادة بناء قدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي؟
لذلك على إيران أن تتقبل مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول المنطقة، والحد من قصف هذه الدول بالمسيّرات والصواريخ. فدور دول الخليج وعلى الرغم من الأسى الذي تعرضوا له من إيران، لم يكن عابرا، بل على العكس انخرطت هذه الدول بدعم المسار التفاوضي بشكل إيجابي جدا، من باب المطالبة بضمانات تتعلق بالإشراف على البرنامج النووي الإيراني وفتح الباب للتموضع كشركاء وليس كدول تحدد التهديد.
ثالثاً: الملف النووي والإشراف الدولي
لا يختلف اثنان على أنّ الملف النووي الإيراني ليس سلميا كما ادعت إيران، ولعل أبرز نتائج مباحثات سويسرا، هو قبول إيران بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية. وشكّل تبدل الموقف الإيراني خطوة إستراتيجية نحو تخفيف الضغط الإقليمي، بحيث اعتبر نائب الرئيس الاميركي فانس، أنّ تلك الخطوة تشكل "معلما أساسيا" و"الخطوة الأولى نحو نزع الأسلحة النووية بصورة دائمة".
ولكن من جهة، أخرى يرى بعض المحللين أنّ إيران أصبحت في موقع أقوى ماليا وسياسيا وحتى عسكريا، إذ لم تتمكن أميركا وإسرائيل من القضاء على النظام الإيراني، بحيث شكّلت اتفاقية الإطار سدا منيعا أمام تدخّل الدول الخارجية في الشؤون الإيرانية. ويعتبر بعض المحللين أنّ مدة الستين يوما تُعتبر مهلة قصيرة للتوصل لاتفاقية كاملة، إذ تضم ملفات بالغة الحساسية والتعقيد مثل حجم التخصيب، والبنية التحتية النووية، وآليات التحقق، ومسار رفع العقوبات. فالشرق الأوسط والعالم يعيش على نافذة الستين يوما، وكل يوم يمر من دون تقدم، قد يرجح أكثر وأكثر احتمالية الانفجار الكبير.
رابعا: معادلة إسرائيل والمعضلة الأصعب
إلى ذلك، أصبح واضحا أنّ اسرائيل لم تكن راضية عن التنازلات التي قدمتها إدارة ترامب وخصوصا إدراج الملف اللبناني في مذكرة التفاهم. فإسرائيل التي أضعفت المحور الإيراني في لبنان وسوريا وغزة وحتى إيران نفسها، من خلال قدراتها العسكرية غير المسبوقة، تجد نفسها اليوم في موقف صعب، إذ يتفاوض حليفها مع عدوها من دون إدراج مصالحها الإستراتيجية والعسكرية، ما يقيّد هامش المناورة الإسرائيلية في لبنان والمنطقة ويحد من نفوذها لصالح أعدائها.
تعيش المنطقة اليوم مرحلة انتقالية حرجة وحساسة ومعقدة ومتشابكة وليست تسوية أو حل طويل الأمد لصراع لم ينتهِ بعد. فنجاح المفاوضات يبدأ أولا ببناء الثقة المعدومة، وإنشاء آليات رقابية لاحترام وتطبيق الاتفاق المحتمل. من الواضح أنّ هناك قطبة ما تجعل التوصل لاتفاق كامل شبه صعب. فما أفرزته قمة سويسرا ليس سلاما ولا تسوية، إنما الفرصة الأخيرة لتجنب الانفجار الكبير، لأنّ المنطقة بنظامها القائم وتعقيداتها الجيوسياسية والعرقية والطائفية أصعب من حلها في 60 يوما.
ومن أجل بناء شرق اوسط مستدام، على دول هذه المنطقة المشاركة الفاعلة في مناقشة وصياغة تفاصيل الاتفاق خلال مرحلة الستين يوما والحصول على الضمانات اللازمة لمخاوفهم المحقة، أو القبول بترتيبات قد تُفرض عليهم بعيدا عن مصالحهم الحيوية، وهذه الكارثة بعينها. فالتاريخ يُعلّم أنّ المستبعدين من الطاولة يدفعون ثمن الاتفاقيات مرتين: مرة حين تُوقَّع، ومرة حين تُطبَّق.