hamburger
userProfile
scrollTop

الخوض في الممنوع: عن واقع الجامعة المغربية اليوم

سباطة: الجامعة المغربية تعاني انتشار ظاهرة السرقات العلمية
سباطة: الجامعة المغربية تعاني انتشار ظاهرة السرقات العلمية
verticalLine
fontSize

يبدو الحديث عن واقع الجامعة المغربية اليوم أشبه برسم تخطيط القلب، يخفت حينا، ويرتفع أحيانا أخرى، كلما طفت إلى السطح حادثة جديدة، خاصة فضائح التحرش الجنسي، أو ما يعرف "الجنس مقابل النقط"، التي تتسابق وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية على تناقل تفاصيلها، وإن كانت أحيانا من وحي خيال كاتبها، ما دفع البعض (خاصة بين أطر ومسيري هذه الكليات) إلى الاحتماء بنظرية المؤامرة، واعتبار أن هذا الهجوم الإعلامي هو بنية مبيتة، تستهدف تجريد الجامعة من حرمتها، ثم الإجهاز عليها، مع دخول الجامعات الخاصة على خط استقطاب الطلبة في مختلف التخصصات.

الحقيقة أن الجامعة المغربية تواجه فعلا جملة تحديات عميقة، تهدد مكانتها كمؤسسة أكاديمية ومعرفية، فبعدما كانت معقلا إيديولوجيا وثقافيا، يساهم في بناء شخصية الطلبة، القادرين على خوض غمار الحياة بوعي معرفي وسياسي قوي، ويحظى فيها أساتذة أكفاء بمكانة اعتبارية تليق بثقل ما يقدمونه من أبحاث وأطروحات رغم صعوبة الحال وقلة الإمكانيات، استشرى اليوم الفساد الإداري، وانتشرت فضائح التحرش الجنسي، وتزايدت السرقات العلمية بما حولها إلى عادة "طبيعية". هذه القضايا لا تمس فقط صورة الجامعة، بل تؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم العالي، وتقوض ثقة الطلاب والأساتذة على السواء في النظام الجامعي.

حالات عجيبة

البداية بالفساد الإداري، الذي تتعدد مظاهره، كالمحسوبية واستغلال النفوذ. تتجلى هذه الممارسات في تعيينات الأساتذة، حيث تشهد بعض المباريات حالات عجيبة لاستقطاب مرشحين بملفات ضعيفة، وأحيانا لا علاقة لها حتى بالتخصص المطلوب، وأيضا في توزيع الميزانيات، وتوفير الموارد. يتم أحيانًا توظيف أو ترقية أساتذة بناءً على علاقات شخصية أو انتماءات حزبية، بدلاً من الكفاءة الأكاديمية. كما يُلاحظ سوء استخدام الميزانيات، ما يؤثر على البنية التحتية والخدمات المقدمة للطلبة، مثل المكتبات والمختبرات، كما قد تشهد بعض المباريات الانتقائية للطلبة ممارسات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتحرم طلبة مميزين من حقهم في متابعة دراستهم في تخصصات تناسبهم.

ظهرت إلى العلن أيضا فضائح متعلقة بالتحرش الجنسي داخل الجامعات المغربية، ما أثار غضبًا واسعًا في المجتمع الأكاديمي وخارجه. تحولت قضايا التحرش إلى موضوع عام، بعد أن كسر بعض الطلاب والطالبات حاجز الصمت وأبلغوا عن ممارسات مشينة قام بها أساتذة أو إداريون. لا يتعلق الأمر هنا بتجاوزات فردية، بل بما يمكن وصفها بالبيئة الموبوءة التي يغيب فيها الردع القانوني والتربوي.

أحد أبرز الأمثلة كان "قضية الجنس مقابل النقط" الشهيرة، التي كشفت عن وجود شبكة ابتزاز جنسي يربط النجاح الأكاديمي بتقديم تنازلات شخصية. ما يشوه العلاقة الأكاديمية التي ينبغي أن تكون مبنية على الاحترام المتبادل والشفافية.

فقط وجبت الإشارة هنا إلى أن التركيز الإعلامي على هذه الظاهرة، مع محاسنه، المتجلية في ردع ولو مؤقت لبعض من يسمحون لنزواتهم بالتأثير على سلطاتهم الأكاديمية، إلا أنه يساهم في تهميش مشاكل أخرى وفساد أكبر، قد لا يكون جنسيا بالضرورة، مثل وجود حالات تحرش أستاذات بالطلبة الذكور (وهو ما يحجم الإعلام عن التحدث عنه) أو ابتزاز بعض الأساتذة المشرفين على أطروحات دكتوراه للباحثين الشباب، بتكليفهم مثلا بمهام بعيدة عن المطلوب منهم، مقابل السماح لهم بالمناقشة، وغير ذلك الكثير.

آليات الرقابة والتقييم

تعاني الجامعة المغربية أيضا أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهي السرقات العلمية. تتعدد أشكال هذه الظاهرة، من اقتباسات غير مشروعة إلى انتحال بحوث كاملة، بما يكاد يتحول إلى فعل "طبيعي" لا غضاضة فيه، ويُلاحظ بشكل خاص تفشي السرقات في أطروحات الدكتوراه والبحوث الأكاديمية، بما يضر بمصداقية الجامعات المغربية ويساهم في تراجع مكانتها دوليا.

ولا شك في أن ضعف آليات الرقابة والتقييم، وغياب نظام صارم للكشف عن الانتحال وسوء استخدام منصات النشر المفتوحة يزيد من تفاقم المشكلة.

وبشكل عام، تتعدد أسباب هذه المشاكل (حتى لا أقول الكوارث)، وقد ألخصها في ضعف المؤسسات الرقابية، فمع غياب دور المفتش (كما في مؤسسات التعليم الابتدائي والثانوي)، يشعر بعض الأساتذة بأنهم فوق المحاسبة، فتتحول الجامعة إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية بدلًا من خدمة التعليم، أضف إلى ذلك أن قلة الموارد المالية وضعف الرواتب تجعل بعض الأساتذة والإداريين عرضة للفساد، خاصة مع غياب ثقافة أكاديمية متجذرة تعزز قيم النزاهة والشفافية، وحتى لا يتم الإلقاء باللائمة كاملة على الأساتذة والإداريين، فإن انهيار المؤسسات الطلابية التي عملت سابقا على الدفاع عن حقوقهم، وتحول الجميع إلى فردانية تتلخص في: "أن أنجح وأغادر...ومن بعدي الطوفان"

المفارقة أن حلول كل هذه المعضلات تبدو واضحة للغاية وقابلة للتطبيق، فبالإمكان وضع آليات شفافة لتوظيف الأساتذة وتوزيع الموارد، مع اعتماد معايير صارمة لمكافحة الفساد، وإنشاء وحدات خاصة داخل الجامعات للتبليغ عن التحرش الجنسي، مع ضمان حماية الضحايا، وأيضا التدقيق في مدى دقة هذه الاتهامات (فهناك حالات معينة تستغل فيها طالبات لتوجيه اتهامات باطلة فقط في إطار تصفية حسابات معينة، وهذه قصة أخرى...)، ثم استخدام برامج متطورة للكشف عن السرقات العلمية وتقديم التكوين المستمر للأساتذة والطلبة حول أخلاقيات البحث.

ولكن، هل هناك إرادة فعلية لتنفيذ جدي لهذه الإصلاحات؟ أم إن الجميع "مرتاحون" لهذا الوضع الذي يكتفي بتشخيص المشاكل دون أدنى رغبة في حلها؟

هذا هو السؤال الحقيقي...