يمكن القول إن ما جرى بين الدولة السورية وقيادة وحدات حماية الشعب الكردية أو قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتبعه هذه الوحدات من اتفاق في 30 يناير الماضي منع تقسيم سوريا إلى دويلات أو كيانات فيدرالية قد تتحول بين لحظة وأخرى إلى دول مستقلة، ما يؤدي إلى تقسيم البلاد وتفتيتها كما حصل في السودان والصومال، وإلى حد ما في اليمن وليبيا، وإبقاء الدولة السورية دولة موحدة ذات حكومة مركزية وجيش واحد، على اعتبار أن "وحدات حماية الشعب" أو ما كان يُعرف سابقاً بقوات سوريا الديمقراطية "قسد" قبل تخلي المكون العربي عنها ستنضم إلى الجيش السوري، في حين ستنضم وحدات الأمن الداخلي "الأسايش" إلى الأمن العام وجهاز الشرطة.
سحب فتيل الأزمة مع تركيا
لذا يمكن القول إن من إيجابيات الاتفاق أيضاً أنه أوقف تمدد "حزب العمال الكردستاني" وتوغله في سوريا، حيث شهدنا جميعاً كيف رُفعت صور أوجلان في الحسكة ودير الزور والرقة وحلب، لكن اليوم وبعد استعادة هذه المناطق وتطبيق الاتفاق لم يعد مسموحاً وجود أي فرد من قواته أو قيادته على الأرض السورية، وهذا ما سيسحب فتيل الأزمة مع تركيا التي كانت ترى في تمدد "قسد" تمدداً لحزب العمال الكردستاني في الداخل السوري، ما يشكل تهديداً لوحدتها وأمنها القومي.
ومن هنا فإن تعيين محافظ للحسكة من أبناء المنطقة وعدداً من مديري المناطق والنواحي ذات الغالبية الكردية وانخراط قادة "قسد" في وزارة الدفاع مع دمج قواتها في الجيش ليس إلا تطبيقاً لما يُسمى اللامركزية الإدارية التي تحدث عنها الرئيس السوري أحمد الشرع وذكر بالتحديد المرسوم 107 الذي أصدره النظام السابق عام 2011 وتضمنه دستور 2012 الملغى حالياً.
ما يمكن قوله اليوم: إن سوريا قطعت مراحل كبيرة في استعادة وحدة أراضيها وبسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، فما حصل في الحسكة والقامشلي وعين العرب "كوباني" يمكن تعميمه على السويداء ما قد يُعيد هذه المحافظة إلى سيادة الدولة السورية ويسحب الذرائع من المنادين بالانفصال في وقت تفتقد فيه محافظة السويداء لأدنى مقومات الانفصال فلا معابر حدودية ولا إطلالة بحرية ولا مقومات اقتصادية أو ثروات باطنية، والاعتماد على إسرائيل ليس خياراً صائباً لسببين:
الأول: أن إسرائيل تريد إقامة دولة دينية ذات طابع يهودي، وبالتالي أي مواطن آخر فيها سيكون درجة ثانية وربما تطالبه يوماً ما بالرحيل.
الثاني: أن إسرائيل دولة توسعية، ولنفرض أن السويداء انضمت إلى إسرائيل أو تحالفت معها، فسيكون الهدف الإسرائيلي جعل السويداء منبراً لتهديد سوريا والمنطقة، وهذا ليس في مصلحة أهلنا في السويداء المعروفين بإيمانهم بوحدة سوريا وعروبتها.
سوريا تمر بمرحلة مخاض كبيرة،
ما أريد قوله: إن سوريا تمر بمرحلة مخاض كبيرة، وعلى الجميع التحمل وعدم الانجرار للصدام والسير خلف مشاريع التقسيم والتفتيت؛ لأن الحكمة تقول بالانخراط في هذه الدولة والبحث عن شكل حكم يناسب الجميع يُكلل بدستور يضمن الحقوق والحريات الأساسية للأفراد بغض النظر عن العرق والدين والمذهب. وهنا يُحسب للرئيس أحمد الشرع إصراره على وحدة سوريا وعدم القبول بأي مشاريع تقسيمية، وما إصداره للمرسوم 13 للعام 2026 الخاص بتثبيت حقوق الأكراد في سوريا سواء من حيث الجنسية أو الثقافة أو الاعتراف باللغة أو القومية والعطلة الرسمية إلا خطوة في الاتجاه الصحيح لحماية وحدة سوريا والحفاظ على مكوناتها الاجتماعية.
والسؤال الآن: هل تُعمم تجربة الحسكة على السويداء؟ هل يمكن أن تحل مشكلة المهجرين من البدو والدروز، واندماج ما يُسمى "الحرس الوطني" في صفوف الجيش السوري، أو أن تتحول القوى المحلية لقوى شرطية وأمن داخلي كما هو الحال في الحسكة، ويُعين المحافظ من أهالي المحافظة على أن يكون هناك معاون لوزير الدفاع من السويداء؟ وهل يمكن أن تُعمم اللامركزية الإدارية في الساحل، ويكون المحافظ من أبناء المنطقة، يتبعها التحاق من يرغب بالجيش وقوى الأمن الداخلي؟ لا شك أن السعي لإشراك أبناء المحافظات في إدارة الدولة هو أفضل بكثير من تهميشهم، كما أن إعادة الموظفين إلى وظائفهم سيجعلهم هم وأولادهم أكثر ولاءً للدولة، ومن هنا فإن دمج المجتمع المحلي بالدولة، سواء أكان في المؤسسات المحلية أم المركزية، هو ما يجعل هذه الدولة أكثر تماسكاً وقوة في مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية.