hamburger
userProfile
scrollTop

من علي الطاهر إلى هرمز.. المنطقة بين النفق والمضيق

الحروب الحديثة لم تعد تحتاج إلى إعلان رسمي (رويترز)
الحروب الحديثة لم تعد تحتاج إلى إعلان رسمي (رويترز)
verticalLine
fontSize

في الجغرافيا كما في السياسة، ليست المسافات هي التي تحدد حجم المخاطر، بل طبيعة الأرض التي يقف عليها الناس. واليوم، تبدو المنطقة الممتدة من جنوب لبنان إلى الخليج العربي وكأنها تعيش فوق حقل ألغام هائل، لا يعرف أحد متى ينفجر أو أين ستكون شرارته التالية. فمن تلة علي الطاهر الإستراتيجية المشرفة على الجنوب اللبناني، حيث لا تزال الألغام الحقيقية شاهدة على عقود من الحروب، إلى مضيق هرمز الذي تحوّل إلى رمز عالمي للمواجهة والتوتر والتهديدات المتبادلة، تمتد منطقة كاملة معلقة بين النفق والمضيق، بين حرب لم تنتهِ بالكامل وأخرى لم تبدأ بالكامل.


الألغام السياسية حول هرمز 

تلة علي الطاهر ليست مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان. إنها اختصار لتاريخ طويل من الصراع. من يقف على تلك التلة يرى إسرائيل ويرى الجنوب اللبناني في آن معاً. ولذلك كانت دائماً هدفاً عسكرياً وموقعاً إستراتيجياً تتقاطع عنده الحسابات الأمنية والعسكرية. وبعد عقود من المواجهات، بقيت الألغام المزروعة في الأرض شاهداً صامتاً على أن الحروب قد تتوقف بالنار لكنها لا تنتهي دائماً بسلام.

غير أن الألغام الموجودة في تلة علي الطاهر تبدو اليوم أقل خطراً من الألغام السياسية والعسكرية المنتشرة في المنطقة بأسرها. فلبنان نفسه يعيش فوق شبكة معقدة من التناقضات الداخلية والخارجية. هدنة هنا، وتوتر هناك، وقرارات دولية تنتظر التنفيذ، وقوى إقليمية تتصارع على النفوذ، فيما يقف اللبنانيون بين الخوف من عودة الحرب والخشية من انهيار ما تبقى من الدولة.

وعلى امتداد الطريق نحو الشرق والجنوب، تتكرر الصورة بأشكال مختلفة. في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز. ذلك الممر البحري الضيق الذي يعبر من خلاله جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية. إنه ليس مجرد ممر ملاحي، بل نقطة اختناق إستراتيجية للاقتصاد العالمي كله. ولهذا السبب، فإن أي حديث عن إغلاقه أو تهديد الملاحة فيه يتجاوز حدود المنطقة ليصبح قضية دولية من الدرجة الأولى.

لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الألغام البحرية التي يمكن زرعها في مياه المضيق، بل في الألغام السياسية التي تراكمت حوله. فكل أزمة بين إيران والولايات المتحدة، أو بين إيران وإسرائيل، أو بين طهران وجيرانها العرب، تتحول تلقائياً إلى تهديد محتمل لأمن المضيق. وكل تصعيد عسكري في أي ساحة من ساحات الشرق الأوسط ينعكس فوراً على حركة التجارة والطاقة وأسواق المال في العالم.

وهكذا تبدو المنطقة وكأنها عالقة بين رمزين متشابهين: تلة علي الطاهر التي تخفي ألغاماً تحت التراب، ومضيق هرمز الذي يخفي ألغاماً تحت الماء. وبينهما تمتد دول وشعوب واقتصادات بأكملها تعيش تحت وطأة القلق المزمن وعدم اليقين.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الألغام

المفارقة أن معظم دول المنطقة تدرك حجم المخاطر، لكنها تجد نفسها عاجزة عن الخروج من دائرة التصعيد. فكل طرف يعتبر أن التراجع سيُفسَّر ضعفاً، وكل طرف يعتقد أن امتلاك أوراق الضغط هو الضمانة الوحيدة لأمنه. والنتيجة أن الجميع يواصل السير فوق الحقل نفسه، آملاً ألا يكون هو من يدوس اللغم التالي.

لقد أثبتت الأعوام الأخيرة أن الحروب الحديثة لم تعد تحتاج إلى إعلان رسمي. يكفي صاروخ هنا، أو اغتيال هناك، أو هجوم سيبراني في مكان آخر، حتى تبدأ سلسلة من ردود الفعل يصعب التحكم بمسارها. وفي منطقة تتداخل فيها الحدود الجغرافية مع الحدود العقائدية والسياسية والعسكرية، تصبح احتمالات الانفجار أكبر من قدرة أي طرف على احتوائها.

والأخطر أن شعوب المنطقة باتت تدفع ثمن هذا الواقع بصورة يومية.

من هنا، فإن السؤال الأساسي لم يعد يتعلق بإمكانية اندلاع مواجهة جديدة، بل بكيفية الخروج من منطق الألغام نفسه. فالألغام، سواء كانت في تلة علي الطاهر أو في مياه هرمز، لا تُبنى من أجل التنمية أو الاستقرار. إنها أدوات ردع وحرب وخوف. والمنطقة التي تبني أمنها على الألغام تكتشف عاجلاً أم آجلاً أنها تحولت أسيرة لها.

الخروج من هذا الواقع يتطلب إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي على أسس مختلفة. أمن يقوم على المصالح المشتركة لا على التهديدات المتبادلة، وعلى الاقتصاد لا على الصواريخ، وعلى الاستقرار لا على إدارة الأزمات. وهي مهمة تبدو صعبة في ظل التوازنات الحالية، لكنها أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فمن علي الطاهر إلى هرمز، لا يحتاج الشرق الأوسط إلى مزيد من الألغام، بل إلى خرائط جديدة للخروج منها. لأن المنطقة التي تعيش بين النفق والمضيق لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد معلقة بين حرب انتهت وحرب تنتظر. وفي النهاية، لا أحد يستطيع بناء مستقبل فوق حقل ألغام، مهما كانت مبررات بقائه أو الذرائع التي تحميه.

السؤال الذي يواجه المنطقة اليوم ليس أين يوجد اللغم التالي، بل متى يحين الوقت لإزالته. فذلك وحده هو الطريق الذي يسمح لشعوبها بالخروج من دائرة الخوف، والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.