hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

سوريا الجديدة: بين المستقبل الواعد والتحديات المستعصية

آخر تحديث:

سوريا الجديدة مرحلة بناء الدولة في أكثر لحظاتها دقة وتعقيدا
سوريا الجديدة مرحلة بناء الدولة في أكثر لحظاتها دقة وتعقيدا
verticalLine
fontSize

لا يمكن قراءة التاريخ السوريّ القديم أم الحديث من دون ربطه بالتعقيدات الداخلية او الجيوسياسية الإقليمية. فالاستقرار الطويل لم يكن موجوداً في القاموس السياسي السوري على الرغم من الهوية الوطنية السورية التي تعدّ نوعًا ما قوية. فبناء الدولة السورية منذ الاستقلال إلى اليوم لم يكن مكتملاً وليس شاملاً وذلك بسبب إقصاء بعض الأطراف أو المجموعات من الحكم.

أما اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدأت سوريا الجديدة مرحلة بناء الدولة في أكثر لحظاتها دقة وتعقيدًا. فبعد عقود من حكم البعث والانعزال الاقتصادي والحروب والانهيار المؤسساتي والأزمات الإنسانية، تجد سوريا اليوم نفسها أمام مرحلة جديدة نادرة وصعبة في بناء الدولة الحاضنة للتنوع على أسس ومفاهيم جديدة.

بناء سوريا الحديثة

نعم، توجد في سوريا اليوم هذه الإرادة والتي هي واضحة في مسار اتخاذ القرارات المرتبطة ببناء الدولة الحديثة، ولكن على الرغم من ندرة الفرص، إلا أن التحديات البنيوية والجيوسياسية والاقتصادية والأمنية تجعل مسار بناء سوريا الجديدة أشبه بالطريق متعدد الاتجاهات.

لنكن إلى حدٍ ما إيجابيين، فعلى الرغم من التحديات البنيوية الكثيرة، والدمار الهائل، والـ50 سنة الماضية من القبضة الحديدية وغياب التنمية والتطور، ناهيك عن الحرب الأهلية، تجد سوريا اليوم نفسها على طريق تأسيسيّ جديد ما يؤدي إلى وجود مؤشرات انفراج كبيرة. فالأشهر الماضية كانت غنية بالتطورات الإيجابية ما عزّز خطاب التفاؤل، ولكن بحذر. ففي شهر أغسطس 2026، أعلن قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي الاندماج الكلي والفعلي مع مؤسسات الدولة السورية المركزية معلنًا بذلك حلّ قوات سوريا الديمقراطية العسكرية والأمنية. ويشمل هذا الاتفاق تسليم إدارة حكم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة السورية المركزية.

من جهتها أصدرت الحكومة السورية سلسلة قرارات عزّزت عملية الدمج، كان أبرزها إنهاء التهميش المؤسساتي الممنهج للكرد من خلال المرسوم الذي اعتبر الكرد السوريين جزءًا أصيلاً لا يتجزء من النسيج الوطني السوري، وألغى هذا المرسوم الإجراءات الاستثنائية المتعلقة بإحصاء الحسكة لعام 1962. إضافة إلى ذلك تم السماح بتدريس اللغة الكردية في المناطق الكردية وتم أيضا اعتماد عيد النوروز عطلة رسمية.

إقليميًا، تتدفق الاستثمارات العربية أو الوعود الاستثمارية على سوريا من معظم دول المنطقة، وكان أبرزها زيارة الوفد الإماراتي لسوريا والذي أبدى مرونة عالية في الاستثمار في مجالات عدة مرتبطة بإعادة الإعمار وأبرزها في طرطوس ودمشق.

دولياً، رفعت الولايات المتحدة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأعطت هذه الخطوة دفعاً سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا ما فتح المجال لإعادة الاندماج التدريجي للاقتصاد السوري ومنظوماته المالية والتجارية في النظام المالي الدولي، ما سمح للحكومة السورية بحرية الاستيراد والتصدير، وبدء تطبيق لمنظومات الدفع الإلكتروني التي حُرمت منها البلاد لعقود.

إضافة إلى ذلك، قامت العديد من الدول الأجنبية وخصوصًا الأوروبية بإعادة فتح سفاراتها في دمشق وإعادة خطوط الطيران التدريجي إلى مطارات سوريا وخصوصًا مطار دمشق الدولي. كل هذه الخطوات مجتمعة تعكس رغبة حقيقيّة لدى السوريين والقيادة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع بطيّ صفحة العزلة، وبناء سوريا الجديدة على أساس الانفتاح والتنمية والديمقراطية، وإعادة الإعمار على قاعدة شرعية سياسية داخليًا وإقليميًا ودوليًا حتى مع خصوم النظام الجديد ألا وهي روسيا.

إلا أن القارئ للسطور أعلاه يجد الواقع ورديًا وسوريا رغم حقيقة الواقع، إلا أن حجم الانفراجات توازيه تحديات لا تقل حجمًا عن الفرص والانفتاح. وعلى الرغم من هذا التفاؤل القوي إلا أنه علينا أن نكون واقعيّين في مقاربتنا لسوريا الجديدة التي تُبنى على أنقاض دولة ومؤسسات منهارة كليًا، واقتصاد مثقل بالعقوبات والذي كان على شفير الانهيار، ومجتمع منهك ومقسم ومشرد في جميع أصقاع الأرض وعداء كبير بحكم النظام السابق وتداعيات الحرب الأهلية. لذلك أحد أهم اختبارات الدولة السورية الجديدة هو كيفية التحول والانتقال من حكم النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية المحدودة إلى دولة مؤسسات فعلية وتشاركية وتعددية، وحاضنة للتنوع تُدار بالقانون والمؤسسات والعدالة الانتقالية وليس بموازين القوى الميدانية وزعماء الحرب المنتصرين. فالتحول من زعماء الحرب إلى دولة المؤسسات ورجالات دولة هو أكثر وأصعب تحديات الدولة السورية الجديدة.

على الصعيد الإقليمي والجيوسياسي، لا تزال سوريا ساحة تقاطعات إقليمية ودولية معقدة ومتعددة ومتضاربة، حيث إن مصالح هذه الدول تنعكس سلبًا في العديد من المرات على جهود الدولة السورية في بناء الدولة والمؤسسات ويقيد التفاؤل الحذر. فالتوغلات الإسرائيلية المتكررة والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من الجنوب السوري، والقلق الإسرائيلي المعلن من تنامي النفوذ العسكري التركي، والضغط الإسرائيلي المتكرر على دروز السويداء للانفصال، يضع دمشق في موقع حساس ومربك جدا.

إرادة السوريين تبقى أقوى

في الوقت ذاته، تعمل سوريا بالتنسيق مع الولايات المتحدة على التعامل بحذر وجدية مع الملف الروسي وسط استعداد سوريا لخفض واردات النفط الروسي الذي يعدّ مصدر الطاقة الأساسي لدمشق خصوصًا خلال هذا العام. لذلك يعمل النظام الجديد في سوريا بحذر للمواءمة بين الإرث الروسي والانفتاح على الغرب والعرب على حدٍ سواء، إضافة إلى التعامل مع النفوذ التركي المتنامي، وضغط إسرائيلي مستمر، يجعل من السياسية الخارجية السورية أمراً معقدًا للغاية يتطلب حنكة دبلوماسية عالية.

أما داخلياً فالتعقيدات أكبر وأكثر تعقيدًا وتعكس بشكل واضح الوضع الإقليمي والدولي في سوريا. فملف الأقليات أكان عرقيًا أو دينيًا مثل الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين لا يزال التحدي الأكبر للإدارة السورية الجديدة، ويضع مصداقية بناء الدولة القادرة الحاضنة للتنوع على المحك. فعلى الرغم من الخطوات التشريعية الكبيرة التي أصدرت وخصوصا في حق الأكراد إلا أن ترجمتها على أرض الواقع تتطلب جهودًا مكثفة تطمئن من خلالها باقي المكونات، خصوصا في ظل التطورات الداخلية والانعكاسات الخارجية على الوضع السوري الداخلي. إضافة إلى ذلك، توجد عقبات أقل تعقيدًا على أهميتها مثل دمج فلول النظام السابق في مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الجيش والقوة الأمنية على أساس وطني جامع، وإعادة بناء الاقتصاد، كلها مواضيع متشعبة تتطلب مجهودًا صلبًا يفوق في بعض الأحيان قدرة شعب مزقته الحروب على تحمله.

على الرغم من هذه الظروف السياسية والجيوسياسية الصعبة، إلا أن العقدة الأكثر تحديًا وصعوبة على الدولة السورية هو الملف الاقتصادي والذي يعتبر أكثر إلحاحًا بين كل التحديات لأنهيمس حياة كل فرد من أفراد الشعب السوري. فرفع العقوبات لا يعني أبدا التدفق الفوري للاستثمارات والأموال وانتعاشًا اقتصاديًا سريعًا للقطاعات كافة والتي تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات لإعادة إنتاجيتها، فكيف لسوريا أن تحصل على هذه الاستثمارات والأموال في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وترشيد إنفاق العديد من الدول التي كانت تطمح إلى مساعدة سوريا. أضف إلى ذلك أزمة اللاجئين والنازحين التي باتت تقلق العديد من الدول التي تأمل بتحسن الوضع الاقتصادي للعودة الآمنة والمستقرة إلى مدنهم ووطنهم.

تقف سوريا الجديدة اليوم على مفترق طرق بحيث توجد فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية الجامعة الحاضنة للتنوع على أسس العدالة الانتقالية، مقابل التحديات الحقيقية من انزلاق إلى واقع صعب إذا لم تدار السياسية الخارجية والداخلية بحكمة عالية. على الرغم من كل هذه الصعوبات، تبقى حقيقة واضحة وراسخة ألا وهي إرادة السوريين في الداخل والخارج في بناء سوريا الجديدة التي تبقى أقوى من كل هذه التحديات.  

news_suggested_videos_نديم قطيش في أشرس حوار عن السودان.. إيران و"حزب الله"
play